الرئيسية | الوطن الجزائري | رشيد زياني شريف ـ الإعلام الجزائري والتطبيع مع العصابة

رشيد زياني شريف ـ الإعلام الجزائري والتطبيع مع العصابة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. رشيد زياني شريف 
 
مكينة Goebbels لم تنته مع انتهاء النازية، أو عندما تصبح الرحلة الى افغانستان، ذهابا وايابا، ممكنة دون ان تترك مكانكيلاحَظ منذ فترة، تدفق سيل من التسريبات حول نزار وتوفيق وطرطاق وغيرهم، تملؤ صفحات بعض منابر الإعلام المحتكرة "للسبق الصحفي"، ولم تكتف هذه المنابر الإعلامية والجمعوية والسياسية، المعروفة بتوجهها "الجمهوري التنويري" بالتعبير عن بالغ ارتياحها لقرار الإفراج الوشيك عمن كانوا يعرفون بأقطاب العصابة، فضلا عن تنافسهم في "التبرير القانوني" لهذا الإجراء، فمِن هؤلاء، من ذهب به الهيام في تقديم الولاء للطلقاء المستحكمين الجدد، إلى حد التمني عدم فراق الدنيا قبل تحقق ذلك الحلم الغالي.
كل ذلك الزخم الإعلامي المنسق كان في الواقع، تحضيرا للنفوس "لتطبيع" القرار المتخذ عمليا منذ أشهر، فراحت بعض هذه المنابر ترفع من شأن الطلقاء إلى مصاف الأبطال المنقذين، وتصف سجنهم تارة ظالما وتارة أخرى مفبركا، مع لإشادة بهم، تماما كما فعلت نفس هذه المنابر (التي لم تتغير في الواقع لا شكلا ولا مضمونا) مع نفس "القامات" الوطنية الفذة، عندما اجتمعت تحت مظلة لجنة إنقاذ الجزائر CNSA غداة انقلاب يناير 92 ، والجدير بالذكر، أن هذه الجهات سبق لها أن تجندت وحشدت أصواتها وأقلامها، قبل سنوات، للتوقيع على العرائض المتضامنة مع كل من لاحقته العدالة خارج الوطن من جنرالات التسعينات، على غرار تضامنهم الكامل وغير المشروط مع نزار عندما رفع مواطنون ضده قضايا في باريس، تتعلق بالتعذيب أو في سويسرا بتهم جرائم الحرب.
قد يقول قائل إن الزمن اليوم غير البارحة، وأن هناك الآن وعيٌ أوسع لدى المواطنين بما يحدث، بفضل توفر بدائل اعلامية (الوسائط الاجتماعية)، التي ساهمت إلى حد كبير في كشف زيف الإعلام الرسمي والخاص، المرتبط عضويا ووظيفيا بدوائر الاستعلامات، هذا الإعلام الذي كان يحتكر بالأمس وسائل الدولة لنشر الأخبار كما يريدها وكتم أصوات غالبية الشعب، وأنين الضحايا، فكانت مهمته تتلخص في نشر "الرواية الرسمة" للأحداث والتستر على ما يجري على أرض الواقع، في عمليات تضليل وشيطنة الخصم. بالفعل، الوضع اليوم مختلف، ويوجد بدائل لم تكن متوفرة في التسعينات، لكن مع ذلك، يظل هذا القطاع المختص في الدعاية والتضليل فاعلا وحساسا ولا يزال يحتفظ بإمكانية هائلة على تسويد الأبيض وتبييض الأسود دون أن يرف له جفن، على غرار ما فعله طيلة عقود من الزمن.
ولِتبيان مدى خطورة هذا القطاع في لي عنق الحقائق وقدرته على جعل المواطن يصدق ما هو غير قابل للتصديق، يكفي أن ننظر كيف يصوّر إعلامنا و"سياسيونا" ومنظمات "مجتمعنا المدني"، كبار القيادات العسكرية والمخابراتية، سواء المتحكمين حاليا أو سابقا، او كل من يدور في فلكهم، والهالة التقديسية التي يحيطونهم بها، بحيث تذكرنا بمقولة مالكوم X (مالك شباز) الشهيرة حول الإعلام، يقول فيها "يستطيع الإعلام أن يجعل القارئ يبجل الجلاد ويمقت الضحية"، وهو بالذات ما شهدناه طيلة التسعينات، عندما كان إعلام radio des Milles collines ، من صحف عامة وخاصة (تقول أنها مستقلة) وإذاعات وتلفزيون (اليتيمة آنذاك) كيف كان يشيطن الضحية بدون وخز ضمير لِشرعنة قتلها "إنقاذا للجمهورية". وعن هذا الدور القذر الذي قامت به الماكينة الإعلامية عندنا، في قولبة العقول، أتذكر طرفة (حقيقية)، قصها لي أحد الأصدقاء قبل أكثر من 35 سنة. كان يومها الاتحاد السوفيتي غزا للتو أفغانستان، وتبع ذلك توافد بعض الشباب من البلدان العربية والإسلامية، من بينهم شبان جزائريون، إلى أفغانستان بنية مجاهدة الغازي الشيوعي، ومناصرة المجاهدين الأفغان، دون أن يدركوا أن أمريكا (كانت يومذاك تطلق على المجاهدين اسم مقاتلي الحرية Freedom fighters لتصفهم لاحقا بالإرهابيين) تستخدمهم في الواقع في تلك الحقبة وقودا، في حربها بالوكالة ضد الخصم السوفيتي. يقول صديقي، أن أخاه الأكبر، سأله يوما "هل سافرت إلى أفغانستان؟" سؤال مباغت وغريب، يقول صديقي، لكن، مرد السؤال هو أن هذا الأخ الأكبر كان يرى في التزام أخيه وتدينه، حافزا للسفر إلى تلك البلاد " لتحرير أفغانستان"،خاصة وقد ملأت وسائل الإعلام العالمي والمحلي، يوداك الدنيا حديثا عن الأفغان العرب، والجهاد الأفغاني، والأساطير حول هذا الموضوع، فكان لا بد من هذا الأخ الأكبر أن يتحقق إن كان شقيقه قد حج إلى بيت الجهاد الأفغاني!!، صُدم صديقي من مثل هذا السؤال بالغ السريالية، ولم يجد للرد على استفسار شقيقه إلا بطرح أسئلة عليه، لعلها تجعله يدرك مدى خيالية سؤاله، فسأله، هل تعلم أن أفغانستان يسافر إليها بالطائرة؟ وأن الرحلة جد طويلة وتستغرق أياما ذهابا وإيابا؟ فكيف لي أن أسافر إلى هناك، وأنتَ تعلم أنني لم أفارق البيت يوما، وأننا نعيش الاثنين في غرفة واحدة؟ هذه الطرفة الحقيقية من حيث الوقائع والخيالية من حيث الإمكانية، تدلل على مدى قدرة الإعلام على جعل الإنسان يصدق المستحيل، حتى في تصديق أنه يمكن للانسان أن يسافر آلاف الأميال دون أن يغادر البيت.
مثل هذا التسميم لعقول الناس عرفناه في شبابنا، عندما كنُا لقمة سائغة لماكينة البربغاندا الهوليودية، في إنتاجها أفلام الويسترن على سبيل المثال التي كانت تصوّر الصراع بين البيض الغزاة والهنود، السكان الأصليين، بشكل جعلت المتفرج، مهما كانت جنسية أو دينه أو لونه أو ثقافة، ينتصر للبطل الأبيض، وينتظر بشغف متى يقضي الكوبوي cow boy الشجاع على"الوحش"، المجسد في الهنود الحمر، استطاعت عدسات التضليل المُمَنهج أن تجعلنا ننتصر للمحتل القاتل الآتي من أوربا أساسا، وهو يفتك بالسكان الأصليين، وجعلتنا نبتهج لإبادته المواطنين أصحاب الأرض والحق، والشيء نفسه نعيشه اليوم، في تصوير السينما الغربية، الصهاينة المستوطنين القتلة، في صورة الضحية الأبدية، فيما ترسم نفس هذه الماكينة، الشعبَ الفلسطيني المقهور منذ عقود، والمسلوب الحقوق في بلده، في صورة الإرهابي.
هذه الحقيقة تؤكدها لنا شهادة حية من داخل "مهنة الصحافة"، يرويها الصحفي سيد احمد سميان، المعروف باسم SAS ، الذي اشتغل عدة سنوات في صحيفة Le Matin (المعروفة بتوجهها الاستئصالي، وبالتالي لا يمكن اتهامه بالتعاطف مع "الإسلاميين)، قدم هذا الصحفي شهادته حول عمليات فبركة الأخبار داخل غرف التحرير، من قبيل نشر ببيانات ملفقة داخل غرف التحرير ثم نسبها إلى جماعات إسلامية مزعومة، وهي ممارسات لم يتحملها رغم عدائه الواضح "للأصولية" و"الإسلاموية" ولم يستطع السكوت على حجم الكذب والتضليل، فترك وظيفته ولجأ إلى بفرنسا، ليؤلف كتابه " في حمى الرصاصات الطائشة" Au refuge des balles perdues ، تعبيرا عن إدانته لتلك التصرفات التي تلطخ سمعة المهنة، وهذا شطر مما جاء في الكاتب:
"وحانت لحطة الانحطاط التام، رأيتُ صحافيين ينشرون بيانات مزيفة، كتبها أصدقاؤهم ضباط مصالح الاستخبارات، ثم نسبونها في يوم الغد بالبنط العريض إلى إسلاميي الجيا GIA، بينما كانوا يعرفون أنها بيانات مزيفة، "إنها الحرب التي يجب خوضها بأي ثمن ضد الإسلاميين" بذلك كان يجيب مديرو تلك الصحف، بكل ازدراء، في محاولة منهم تبرير هذه الأعمال التي لا يمكن غفرانها" ثم يواصل:
"في ذلك اليوم، في سنة 1997، علمتُ أن العديد من البيانات كانت مزيفة، وأن الصحفيين الذين كانوا يعملون في المجال "الأمني" هم أيضا يعرفون أنها مزيفة، وكانوا يشاركون بمحض إرادتهم في هذه العملية الإعلامية التضليلية، ولاحقا، عرفتُ أن بعضهم، الأكثر تحمسا، المعروفين في وسط الصحافة باسم "الذئاب البيض" (les loups blancs) لم يكتفوا بنشر البيانات المزيفة بل شاركوا في بعض الأحيان في كتابتها".
نظرة خاطفة إلى طبيعة التغطية التي توليها معظم منابر الإعلام "الخاص" وبقايا لجنة إنقاذ الجزائر، من سياسيين ومثقفين وكتاب ونقابيين، في شيطنة الحراك اليوم بطرق ملتوية والإمعان في تأليب الرأي العام ضدهم، ومحاولات دق أسفين بين مكوناته، تذكرنا بأن الأنظمة المستبدة لا ترتكز فقط على سلاح العنف، بل تستند أيضا إلى حد كبير إلى مكينة التضليل التي لا تشكل أداة للاستبداد فحسب بل تعتبر ركنا ركينا في المنظومة برمتها، إلى جانب جهاز القضاء...بطبيعة الحال.

شوهد المقال 249 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فضيلة معيرش ـ لا تبكي معي

فضيلة معيرش ـ المسيلة احتضنت مريم وجهها الطفولي الدقيق الملامح المشرئب بالحمرة بكفيها ، ناولتها الخالة نسمة منديلا ورقيا معطرا بالدهشة والحيرة ، وقد تناثرت حبات
image

محمد هناد ـ د̲ع̲ن̲ا̲ ن̲ت̲د̲بّ̲̲ر̲ ا̲ل̲أ̲م̲ر̲ !̲ لسنا بحاحة إلى اعتراف الدولة الفرنسية

د. محمد هناد  هل نحن في حاجة فعلا إلى اعتراف الدولة الفرنسية، رسميا، بالجرائم المرتكبة أثناء فترة الاحتلال لبلادنا كما لو كانت هذه الجرائم غير كافية
image

العربي فرحاتي ـ يا دكاترة الجزائر ..انزلوا إلى الحراك لتتعلموا من الشباب ..

د. العربي فرحاتي  سمعت أحد الأساتذة منذ يومين متخصص في علم التاريخ ..ستعرفون اسمه..يقول أن الانتخابات "دوز دوز " شرعية.. وأن "تبون الرئيس" أتى عبر الحراك
image

معتقل الرأي وليد كشيدة .. الميمز ليست جريمة

 #معتقل_الرأي_وليد_كشيدةالمقال بمساعدة صديقيه نوفل و أسامة.وليد كشيدة الإبن الوحيد لأبويه شاب في 26 سنة من عمره ولد في 14 ماي 1995 بمدينة خراطة ببجاية أين
image

كريمة ابراهيم ـ احسان الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراق

كريمة ابراهيم ـ البحرين الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراقحصل الفنان العراقي احسان الجيزاني على الميدالية الذهبي العالمية
image

رضوان بوجمعة ـ في ذكرى وفاته الثالثة ... زهير إحدادن زهد في المكاسب و كظم غيض المتاعب!!

د. رضوان بوجمعة  لم أصادف طول حياتي الجامعية _ودون أية مبالغة_ أستاذا اجتمعت فيه الصفات التي اجتمعت في الأستاذ الراحل زهير إحدادن، فهو المؤرخ ومن صناع
image

حمزة حداد ـ اليسار الأمريكي يقود معركة التوغل داخل السلطة الأمريكية من بوابة الحزب الديمقراطي

حمزة حداد لفتت قفازات السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، الأنظار خلال حفل تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن، وتساءل رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن سرّ هذه القفازات الكبيرة.هذه
image

بوداود عمير ـ ملحمة راهبة في الصحراء ، عين الصفراء

بوداود عمر  من أوجه الخلل في الساحة الثقافية أن بعض الأعمال الصادرة عندنا، رغم قيمتها الأدبية وأهميتها التاريخية، لا تحقق الحدّ الأدنى من الاهتمام، وسرعان ما
image

جباب محمد نور الدين ـ اليهودي بنيامين ستورا :يسعى لإغلاق القوس في زمن لم تعد فيه أقواس

د.جباب محمد نور الدين  لما صدر كتابه حول مصالي الحاج انتظرت الرد من أهل الاختصاص، ولما شاهدتهم "ضربو النح " خشية الإملاق والحرمان من عطايا
image

سعيد لوصيف ـ الأصل في المؤسسات تحييد غريزة الموت وبعث غريزة الحياة..

د. سعيد لوصيف  يعتبر التخويف و ممارساته النقيض المنطقي للاتجاه العقلاني في ممارسات الحكم، بل يمكن اعتباره من الناحية التحليلية سلوكا ساداويا، يعتقد اصحابه أن "العقل"

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats