الرئيسية | الوطن الجزائري | مولود مدي ـ الجزائر تواجه أزمة اقتصادية جوهرها سياسي

مولود مدي ـ الجزائر تواجه أزمة اقتصادية جوهرها سياسي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
مولود مدي 
 
 
 
اقتصاديًا، تواجه الجزائر العديد من الأزمات المتداخلة في بعضها لكن برأيي هناك ثلاث أزمات مترابطة اكثر تعقيدًا، لا يمكن حلّ بعضها والتغاضي عن البعض الأخر، بمعنى انها ازمات يجب حلها في وقت واحد والا ستؤدي الى ازمة مجتمعية تضع أمن الجزائر على كف عفريت، لأنّ اول من سيدفع نتائجها الطبقات الضعيفة في المجتمع التي تحملت نتائج الفشل الإقتصادي طوال 30 سنة، وكل مرة تظهر بوادر الغليان تقوم بإستدعاء " المصلحة الوطنية"، فالوطنية في هذه البقعة المنكوبة لم يتم ربطها يومًا بمصالح المواطن، ولا أعلم هل سيتواجد شيء اسمه "وطن" في غياب "المواطن" نفسه.
تلك الأزمات هي: سعر صرف الدينار، النظام البنكي، عجز ميزان المدفوعات.
الازمات المذكورة، جوهرها سياسي؛ سوء التسيير وغياب الرقابة، وخضوع الإقتصاد للاوامر السياسية، عوض أن يكون الاقتصاد هو بوصلة السياسة.
وبما أن البلد اصبح وكأنه جالس على une poudrière بسبب هذه الأزمات، فهي لا يمكن تأجيلها بالفذلكات الكلامية، وحلها الجذري يتطلب توافق سياسي بين كل أطياف الشعب وبين الحكومة، لأنه بمعالجة الأزمات المذكورة، هناك فق المقابل ثمن يجب على الشعب دفعه اجتماعيًا.
• القيد الأول الذي يجب التخلّص منه هو "عجز ميزان المدفوعات".
ميزان المدفوعات la balance des paiements يعني ؛ الفرق بين الأموال التي تدخل الإقتصاد ككل والتي تخرج منه (مهما كان نوع العملة أو النشاط الإقتصادي) يلخص كل التبادلات التي يقوم بها الافراد، الشركات والمؤسسات مع باقي أنحاء العالم.
العجز يقدر بالعملات الأجنبية ( 15,82 مليار $ - 2019) وهذا يمثل خطرا داهما على الإقتصاد الوطني ويزيد من الأعباء على المجتمع، لأنه يؤدي الى استزاف احتياطات البلد من العملة الصعبة ويهدد بإنخفاض قيمة الدينار وبالتالي القدرة الشرائية للمواطن كيف؟.
عجز ميزان المدفوعات ناجم عن الإنفاق العام الذي يتخطى مداخيل الحكومة ( الضرائب + استثمارات ) مما يتسبب عجزا في الموازنة ( مصروفات الحكومة + مداخيلها ) فيتم تمويل هذا العجز عن طريق طبع النقود ( la planche à billets )، وطبع النقود هدفه تحفيز الإستهلاك في باقي الدول هو استثناء وليس قاعدة، الدول التي تفوق مصروفاتها مداخيلها تلجأ الى الاسواق النقدية les marchés monétaire لتستدين بطرح سندات خزينتها، وكون ان هذا النوع من الاسواق غائب عندنا. وبما أننا نعتمد على الاستيراد تقريبا في كل شيء لتلبية الطلب الإستهلاكي، النتيجة؛ ترتفع الواردات ويحدث عجز في الميزان التجاري، ويبدأ نزيف الإحتياطي الأجنبي ويظهر العجز في ميزان المدفوعات.
وبسبب الأهمية الإستراتيجية لبلدنا الواقع تحت مجهر الدول الكبرى، ان لم نقم بخفض الإنفاق العام، سنقع تحت ضغوط التمويل الخارجي الذي لا يرحم أبدا، وخاصة ان وصل تراجع احتياط الصرف الى 20 مليار $ اذ يعلم الجميع ان برامج تمويل هيئات الFMI والتي تدور في فلكها صارمة جدّا الى حد تفقير ذوي الدخل المحدود، وفرض الغاء الدعم الإجتماعي عنهم.
• القيد الثاني: البنوك.
هذا النظام مبني على البنك المركزي la banque centrale ويأتي بعدها البنوك التجاربة والمؤسسات المالية الاخرى وقوانين عملها محددة من البنك المركزي، هذا الأخير هو مؤسسة مستقلة "نسبياً" في الدول المتقدمة تتحكم في عرض النقود وles crédits، لكن عندنا هو وسيلة تنفيذ مقررات وزارة المالية، لا تعتمد معايير الربحية والفعالية في توجيه القروض، و التوزيع "التلفوني" لها، والسياسة النقدية لا منطق لها سوى توجهات الحكومة.
المشكلة الرئيسية في هذا النظام، هو ان 90% من البنوك الموجودة في الساحة هي عمومية تابعة للدولة، وهي تخضع للمساهم الوحيد "الدولة".
البنوك الخاصة لا تستطيع منافسة بنوك الدولة، لأن هذه الأخيرة لا تتعامل أصلا بمنطق السوق والربح، فهي تتساهل في منح القروض، وعندما لا تستطيع استردادها، تلجئ الى الدولة، لتعيد تمويلها! Les gangs en col blanc القابعين في الحراش اليوم، اعتمدوا على هذه البنوك، التي اصبحت تكلفتها الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن تحملها ابدا، واعتقد انه لا يوجد مستثمر لديه ذرة عقل سيفكّر في الإقتراب من هذه المؤسسات الفاشلة، في 2008 جاء بنك فرنسي Le Crédits Lyonnais مهتم بطرح الحكومة للبنك CPA للخوصصة، وما ان اطلع البنك الفرنسي على اداء البنك الجزائري حتى تخلى على الفكرة وعاد من حيث اتى ثم قالت الحكومة ان السبب هو ازمة 2008 التي ضربت المصارف العالمية.
البنك هو بمثابة الجسر بين الإقتصاد الحقيقي والإقتصاد النقدي، لذلك وجب اخضاعها لقواعد صارمة وتنافسية، ولا شك أن الشعب الجزائري فقد الثقة فيها وأصبحت و كأنها "خضرة فوق طعام" بالنسبة له، كل تعاملاته هي "شد مد" لاcheque لا carte crédit يعني وكأنك عايش بميكرو في 2020 نظامه windows 95 وهذا الوضع طبعًا مقصود، والكورونا زاد في تعرية هذا النظام، تترك هذه البنوك تستمر هي مشكلة على المجتمع ( وعلى أمن البلاد حتى ) تمسحها من الوجود هي مشكلة خطيرة على المدى القصير والمتوسط فأغلبية القروض تأتي من هذه البنوك، القطاع الخاص بالكاد تصل حصته 5 %
• القيد الثالث: معركة سعر صرف الدينار
في الدول التي تحترم نفسها من غير المقبول وجود سعرين لصرف العملة.
سياسة السعرين ( سعر مثبت من طرف الدولة + تحديد اداري لحجم الدوفيز المسموح سحبه، وفي نفس الوقت سعر معوّم تماما فالسكوار يتبع قاعد offre/demande والمواطن يشتري ويبيع ما يحلوا له ).
كملاحظة مهمّة، السوق السوداء للعملات او للسلع او اي سوق تعمل خارج نطاق قوانين الدولة هو مرآة تعكس وجود بيروقراطية مفرطة في الدولة sur- bureaucratisation.
وفي مفارقة مُربكة، البنوك التي هي من المفروض هي السوق الأساسية للعملات الأجنبية، لم تعد تقدم خدمة بيع الاورو/الدولار، البنوك اصبحت تذهب لتشتري من السوق السوداء! يعني اذا ذهبت الى بنك ودرت طلب ouverture d'un compte devise يقولولك روح اشري الdevise من السكوار XD.
ان تم الاستمرار في نفس السياسة سنقع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه مصر قبل سنوات حيث تم تجميد سعر صرف العملة المحلية بقيمة مبالغ فيها، قبل ان يتم اتخاذ قرار التعويم متأخرا ( وهذا جعل التضخم يتخفى لبعض الوقت، لتنفجر مشاكله الى ما يشبه الصدمة).
في الإقتصاد هناك نظامين لسعر الصرف، سعر محرر (معوّم - système de change flottant ) وسعر ثابت fixe، لا يوجد نظام افضل من الاخر، والدول لا تختار بينهما على اساس "من هو الأفضل" بل "من هو الذي يناسب طبيعة اقتصادنا".
تثبيت سعر الصرف ( سياستنا ) يعني في الوهلة الأولى ان الدولة ذات اقتصاد منتج، يصدّر للخارج اكثر مما يستورد مما يعني ان دخول العملة الصعبة يفوق خروجها، وبالتالي العملة المحلية (الدينار) اذا تم ربطها بسعر عملة ثابت الى جانب le panier تاع الاورو/الدولار/الباوند.. يحكم عليها انها سياسة منطقية.
لكن الواقع يقول: نحن دولة مستوردة، دخول العملة اقل من خروجها بكثير، حجم الاستثمارات الأجنبية سواء استثمار مباشر، او استثمار في رأس مال شركاتنا، ليس في مستوى دولة بحجم قارة سوقها الداخلية ضخمة جدا، يعني من غير المعقول تثبيت سعر الدينار بالنسبة الى باقي العملات الاخرى والاحتياطي الأجنبي يمر بحالة نزيف حاد!.
ماهو انعكاس اعتماد سعرين للصرف على مصالح المواطن؟ انّ مستوردو السلع يقومون بتسعير سلعهم على أساس سعر السكوار وليس السعر الرسمي، علما ان الفارق بين السعر الرسمي للدينار ( 1$ = 130 Da) وسعره في السكوار ( 1$= 181 DA) يقارب 60 % بمعنى ان المواطن الذي يشتري منتوج مستورد ( ايفون، سيارة، basquette، دواء..)، هو يدفع ضريبة اضافية كبيرة على ما اشتراه دون ان يشعر، والمشكلة ان هذه الضريبة لا تذهب الى خزينة الدولة التي تقوم بإعادة توزيعها على المجتمع في شكل تمويل لمدارس الدولة ومستشفياتها وجامعاتها وتمويل صندوق التقاعد الخ.. وانما تذهب لجيوب هؤلاء المستوردين.
هل فهمت لماذا تتكالب القوارض على العمل في الاستيراد وتحطم كل من اراد تقديم البديل عن طريق انتاج داخلي؟.
انّ اهم شرط تعويم العملة؛ امتلاك احتياطي نقد أجنبي يلبي احتياجات المستثمرين والمستوردين، وأيضا ليستقر سوق العملات الأجنبية، بأن يقوم البنك المركزي بشراء او بيع عملة محددة لكي يحافظ على توازن السوق، والا عند غياب حجم احتياطي مناسب يصبح سوق الصرف غير مستقر volatile، هذا يجعل تكلفة الإستثمارات صعبة التحديد، اليوم استثمار معيّن كلفته X لكن مع لا استقرار العملة ستتغير الكلفة لتصبح Y ( كي شغل راك تبني un bâtiment على أرض متحركة).. هنّي روحك أي مستثمر لن يأتي لهذا البلد في هذه الحالة.
كل ما عرضته يبقى عرض بسيط على اي حال، لأن هدفي في ما اكتبه هنا هو ان يعرف الجميع وين رانا واقفين، نحن في نفس المركب مهما كانت توجهاتنا وافكارنا، ومنه هناك امور يجب ان ندركها على الأقل لتخفيف الصدمة مما هو قادم.
وقد يظهر كلامي بسيط والحلول سهلة لمشاكل هي في الحقيقة تحتاج الى كتائب من الكفاءات العلمية والتقنية والاطارات التي تمتلك معلومات أكثر دقة اضافة لخبرتها، لكن الاصلاح الحقيقي يعني المساس بمن يستفيد من الوضع الحالي، وأيضا الوقوع في مواجهة مع من يرفض ان يتنازل عما تبقي له من مكاسب اجتماعية بعدما افرغها الBouteflikism من مضامينها، لكنني متيقّن ان هؤلاء الخبراء متفقون على انه ليخرج بلدنا من المعمعة، سيتطلب ذلك الإلتزام بخطة "تقشف" ستدوم لسنوات وليس لست اشهر او عام او عامين، ويحتاج هذا الامر الى جرأة تمس مصالح المستفيدين من النظام الحالي الذين عليهم أن يتحملوا جزء مهم من الخسائر.
انّ مهاجمة من يستفيد من الوضع الحالي دون مهاجمة الآليات التي تنتج الوضع نفسه = مدرنا والو.

شوهد المقال 241 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

في 12:05 20.11.2020
avatar
Extra _ordinaire

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ مارادونا ..شي غيفارا الرياضة

معظم صحف العالم اليوم، تحدثت عن رحيل مارادونا، الظاهرة الكروية العالمية؛ صحيفة "ليمانيتي"، أفردت غلاف صفحتها للاعب الارجنتيني، ونشرت عددا من المقالات عنه موثقة بالصور.
image

نجيب بلحيمر ـ وهم الحل الدستوري

نجيب بلحيمر  ما الذي يجعل كثيرا من الناس مطمئنين إلى عواقب تطبيق المادة 102 وإعلان حالة الشغور في منصب الرئيس؟لقد كان "المسار الدستوري" الذي فرضته السلطة
image

محمد هناد ـ تطبيق المادة 102 من الدستور أضحى أمرا ضروريا

د. محمد هناد  في هذه الفترة العصيبة من جميع النواحي، تجد الجزائر نفسها من دون رئيس دولة منذ أكثر من شهر. المعالجة الإعلامية المتصلة بمرض الرئيس
image

العربي فرحاتي ـ أبناء العمومة يلتقون ..في نيوم

د. العربي فرحاتي  قبل أزيد من أربعين سنة خاطب السادات الإسرائيليين ب "أبناء عمومتي" عند زيارته التطبيعية الأولى من نوعها في العلاقات العربية الاسرائيلية.. اليوم أعلن
image

عبد الجليل بن سليم ـ رسالة كريم طابو في ميزان السياسة

عبد الجليل بن سليم  أولا اتفهم الدافع الوطني الذي دفع كريم طابو لكتابة رسالة تنديد لم صرح به رئيس فرنسا حول الجزائر و تبون و دعهمه
image

عثمان لحياني ـ في ما يجب أن يقال لماكرون

عثمان لحياني  لا حكم على النوايا ، ولا حق لأحد مصادرة حق الغير في ما يراه فعلا سياسيا ، يبقى أن المضمون الوحيد الذي يجب أن
image

جيجيڨة براهيمي ـ بين الكونغرس الأمازيغي والجامعة العربية / الفصام الجغرافي والنكوص التاريخي العابر للكركرات بالصحراء الغربية.

د. جيجيڨة براهيمي بين هذا وذاك يعيش بعض الجزائريين أوهامهم بالاحتماء وبالانتماء . فريق باسم الأمازيغية يوالي المغرب بحجة احتضانه للكونغرس العالمي الامازيغي بالرباط؛
image

شكري الهزَّيل ـ جيش التنسيق الفلسطيني الى اين؟!

د.شكري الهزَّيل الغابة الفلسطينية تتسع ووراء كل شجرة تختبئ غابة أخرى من الاحاديث والاقاويل والمجموعات والملتقيات والنقاشات الى حد أصبحت فيه الخيانة الوطنية العلنية مجرد وجهة
image

محمد بونيلرسالة مفتوحة إلى السيد وزير المجاهدين..."في الجزائر الجديدة"!

محمد بونيل في صبيحة هذا اليوم الأحد 22 نوفمبر 2020، أفتح قوس (لهذا الشهر رمزية عظيمة، ففي الفاتح من شهر نوفمبر من عام 1954،
image

خديجة الجمعة ـ طال الغياب

خديجة الجمعة   هناك أعاصير في القلب فجرتها في لحظة انهيار. وتاهت مني الكلمات، فلم أجد أمامي إلا لوحة وألوان وأصبحت حينها كالمجنونة ارسم لكن ، هذه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats