الرئيسية | الوطن الجزائري | حميد غمراسة ـ قصتي مع زغماتي و"أسرار الزوجين"

حميد غمراسة ـ قصتي مع زغماتي و"أسرار الزوجين"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

حميد غمراسة 

 

في أحد أيام صيف 2009 جاءني بروتوكول النائب العام بالعاصمة بلقاسم زغماتي، إلى مقر "الخبر"، ليسلمني استدعاء كتب عليه "يريدكم السيد النائب العام لدى مجلس قضاء الجزائر لأمر هام". الوثيقة عليها ختم وتوقيع المسؤول القضائي الذي كان هيلمانا بالعاصمة. مسؤول التشريفات قال لي:"لازم اليوم تجي عندنا حتى لو كان الوقت متأخرا.. المهم الشاف لازم يشوفك اليوم".
اتصلت بمحامي "الخبر" خالد بورايو وعرضت عليه ما جرى، فضرب لي موعدا بمجلس قضاء العاصمة لمرافقتي عند زغماتي. صعدنا إلى الطابق الثامن ، حيث يوجد مكتب النائب العام، بعد أن اجتزنا حواجز عديدة في طريقنا الطويل، بين شرطي وحارس خاص وموظف اداري وأعوان قسم البروتوكول. حكاية كبيرة هذاك النهار، وكنت أرى نفسي في السجن مباشرة بعد انتهاء اللقاء المحفوف بالمخاطر.
بعد فترة قصيرة دخلت مع المحامي إلى مكتب النائب العام. نظر زغماتي لبورايو وقال له:"لا داعي لحضورك أستاذ فالامر لا يتعلق باتهام الصحفي". عاد المحامي أدراجه وبقيت وحدي يستفرد بي النائب العام. استفسر عن صحتي وأحوالي، وعينه مشدودة إلى 10 شاشات موصولة بكاميرات تعطيه نظرة شاملة على كل ما يقع داخل بناية حي رويسو وخارجها. مساحة المكتب لا تقل عن 80 متر مربع، أكثر اتساعا من شقة عدل F3 ، ومنه يظهر مشهد بانورامي للصابلات والبحر.
وضع زغماتي فوق مكتبه مقالا، وقال لي:"هذا الموضوع كتبته أنت، يتضمن مذكرة بعثها السيد وزير العدل (الطيب بلعيز) للجهات القضائية وقد وصلت عندك قبل المعنيين بها، ماسبب لنا قلقا فأرجو أن تساعدنا". الوثيقة، تتناول حدا أقصى مطلوب من القضاة عدم تجاوزه، بخصوص تأجيل الفصل في القضايا في مادتي الجزائي والمدني. وكانت المذكرة غير قانونية وتدخلا في عمل قضاة الحكم ومساسا باستقلالهم (نظريا)، وقد كتبت ذلك على ألسنة متخصصين في القانون.
قلت للنائب العام:"واش المطلوب مني بالضبط". ردَ علي:"عندنا مشكلة في ديوان الوزير، حيث تم تسريب المذكرة خارج الوزارة، وعلينا أن نجد من يقف وراء التسريب.. فكيف حصلت عليها؟". كان جوابي:"بفضل تواصلي في إطار مهنتي مع مشتغلين بقطاع القضاء". 
راح زغماتي يخوض في "ضرورة أن يتحلى الصحفي بالمسؤولية عندما يكتب"، وبأن "بعض المقالات قد تضرَ أكثر مما تنفع". حكاية يهوى المسؤول الحكومي أن يرويها على سبيل إعطاء دروس في الوطنية ومصلحة البلاد، وقد أبديت اهتماما وأنا أهزَ رأسي، بسماع أطوراها. ثم أعاد طرح نفس السؤال:"كيف وصلت المذكرة إليك". سمع مني نفس الجواب:"بفضل اتصالاتي بمنتسبين لقطاع القضاء". لم أشعر بأنه يريد الضغط علي أكثر. وبعد حوالي 40 دقيقة من تحقيق غير رسمي، طلب مني مغادرة مكتبه "لكن إذا احتجناك سنطلبك من جديد".
بعد حوالي 10 أيام، جاءني شرطي من مجلس قضاء العاصمة ليبلغني شفويا بأن النائب العام يريدني وفي نفس اليوم. رحت إليه من دون المحامي هذه المرة. وقبلها كنت استشرت الصديق القاضي الجهبذ عبد الله هبول، الذي كان استقال حديثا من القضاء (أحد محاميي معتقلي الحراك حاليا)، فنصحني بأن لا أجيبه عن أي سؤال لان الأمر يتعلق بتحقيق إداري يجريه الوزير داخل أقسام ومصالح جهازه. وقال لي "إذا طلب منك زغماتي ان تبيعه المصدر، قل له إذا كنت متهما ما عليكم إلا أن توجهوا لي التهمة رسميا، لتأخذ القضية الإجراءات القانونية المعروفة وفي إطار قانون الاعلام.
حفظت الجملة عن ظهر قلب، وسردتها على زغماتي في اللقاء الثاني. فطلب مني أن أقول هذا الكلام في محضر وأوقع عليه، ففعلت. ثم دعاني إلى مغادرة المكتب على أساس أن القصة انتهت.
بعد شهر جاءني شرطي، هذه المرَة من محكمة سيدي امحمد، قال لي يطلبك وكيل الجمهورية وفي أقرب وقت من دون ذكر السبب. استفسرت من أصدقاء في القضاء عن هذا القاضي، فقالوا أن اسمه "رشيد"، مختص في ملفات الارهاب وقبيح وحاجة خشينة. شعرت أن رأسي سيقطع لا محالة على يديه.
دخلت عنده وكانت معه سكرتيرته في نفس المكتب.. طلب منها الخروج ليستفرد بي. أظهر لي نفس المقال وطلب مني المصدر. أعدت عليه نفس الكلام الذي سمعه مني زغماتي:"حصلت على المذكرة من مصادري الخاصة أستاذ، وإذا أنا متهم أرجو أن توجهوا لي التهمة بصفة مباشرة". ردَ عليه بكلام عجيب وغريب. قال:"هل تعرف الخطيئة التي ارتكبتها؟ ما فعلته يشبه الأسرار التي يبوح بها زوج لزوجته في بيتهما، وقد استرقت انت السمع وأطلعت عامة الناس على أسرار الزوجية". رديت عليه:"التشبيه لا يستقيم أستاذ في هذه الحالة، لأن كل ما يجري في وزارة العدل، التي يتقاضى موظفوها أجورهم من المال العام، هو شأن يخص الناس جميعا وبالتالي من حقهم أن يعرفوا كل ما يجري بها". 
حدَق فيَ رشيد بعينية الخضراوين طويلا، كلامي لم يعجبه وطلب مني مغادرة المكان "ولكن إذا احتجناك نعاودوا نعيطولك". مرَ وقت طويل وما عاودوش عيطولي. وبعد سنة (2010) اتهمني قاضي التحقيق بمحكمة باب الواد بـ"إفشاء أسرار التحقيق" في حادثة اغتيال مدير الشرطة العقيد علي تونسي.

 

شوهد المقال 496 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول
image

سعيد لوصيف ـ الطفو (émergence) و ديناميكية الحراك : الشغل لمليح يطول..

د. سعيد لوصيف  من عوامل نجاح الحراك، أن لا تنحصر وظيفته فقط في مواجهة نظام توليتاري مهيمن، صادر جميع حقوق المجتمع منذ عشريات، وإنما من وظيفته
image

عثمان لحياني ـ الحراك... والغنيمة

عثمان لحياني  من يعتقد أن الحراك غنيمة فهو واهم ، وواهم من يعتبر أنه يمكن أن يقضي به مصلحة، ومن يظن أنه يمكن أن يقضي من
image

عبد الباقي صلاي ـ العلاقات الإنسانية التي أصبحت في الصفر !

عبد الباقي صلاي من السهل بناء العلاقات الإنسانية،لكن من الصعب بمكان الحفاظ عليها كما هو متعارف عليه في كل أصقاع الدنيا،والأصعب من كل هذا
image

يزيد أڨدال ـ لماذا تتعثر الشركات الناشئة Startups في الجزائر ؟

يزيد أڨدال هذا السؤال هو ما يدور في بال الكثيرين من المهتمين بهذا المجال في الجزائر، وخصوصا ممن يملك أفكارنا يريد تجسيدها بإطلاق مشروعه الخاص، ولكن
image

حكيمة صبايحي ـ الحياء لحاء الحب الوطني الذي لا ينقطع مدده

حكيمة صبايحي  يحتاج الإنسان إلى حافز نفسي لإنجاز أي شيء وكل شيء بقدر ما يمكنه من الإتقان، وحتى عندما يتعب، يتابع العمل والاجتهاد، وحتى عندما تخدعه
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats