الرئيسية | الوطن الجزائري | عاشور فني ـ بيت الشعر الجزائري وبيوت الشعر الإماراتية

عاشور فني ـ بيت الشعر الجزائري وبيوت الشعر الإماراتية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. عاشور فني 
 
صدفة كان اللقاء بالشاعر الكبير سليمان جوادي ذلك السبت 23 جويلية 2016 بمقهى طانطونفيل قرب المسرح الوطني. رجل من بقايا الطيبين في الأرض. كلما التقينا عادت عقارب الوقت إلى الأساسيات. الصحة والأسرة والعمل. والشعر؟ عندها يتفرع الحديث إلى فروع كثيرة. سألني عن تحركات الكتاب حول اتحاد الكتاب وعن سعي الشعراء لتأسيس فرع لبيت الشعر العربي. 
لم أكن متحمسا للحديث عن أي من هذه الموضوعات. كان رأيي أنه لا بد من تأسيس بديل قادر على العمل والتحرك برؤية جديدة. الشعر أصبح طريدا في الساحة الثقافية الوطنية والعالم يتجه نحو الرؤية الشبكية للنشاط حيث تكون كل نقطة من الرقعة قادرة على التحرك بحرية ولكن في تفاعل مع شبكة النقاط الأخرى. لم تعد المركزيات التقليدية صالحة للعمل في البيئة الجديدة. سألني سليمان بوضوح تام: ما رأيك في بيت الشعر الذي أعلن عنه الشيخ الخليجي؟
كنت اعلم أن بعض الشعراء كانوا يتسابقون لنيل رضا الشيخ الخليجي. 4000 دولار مرتب دائم لمن ينجح في تأسيس فرع في مدينته. وكعادة العرب في المبالغة وضع الشيخ هدفا أسطوريا: وهو تأسيس ألف بيت للشعر في كل المدن العربية. كانت خطة للسيطرة على الساحة العربية من باب الشعر. كانت الإمارات قد دخلت السباق على قيادة الرأي العام الثقافي من خلال المجلات والبرامج التلفزيونية المسابقات والجوائز الأدبية. أصبحنا نتعرف على بعض أسماء شعرائنا من خلال تلفزيونات أبو ظبي وجوائزها الثقافية والأدبية خاصة. بعض المثقفين الكبار صاروا أسماء لامعة في سماء دبي والدوحة وعمان وأبو ظبي. لعبت البترودولارات لعبتها في الثقافة والأدب كما لعبت في الدين. صارت قيادة الرياض للمذهب السلفي والدوحة للإخوان فلماذا لا تصير للشارقة قيادة الشعر والإنشاد الديني؟ بل صارت أبو ظبي مركزا للمعرض العالمي للأسلحة وصار قادة الأركان في العالم يتبخترون كل سنة أمام معرض التكنولوجيات الدفاعية الرهيبة. وبعد انفجار أزمة سوريا وليبيا واليمن والبحرين صارت أبو ظبي جزء من قيادة التحالف العربي في هذه البلدان. صار للإمارات العربية شهداء. ليس من أجل تحرير جزرها الثلاث( طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) ولكن شهداء الإمارات سقطوا في اليمن. صارت الإمارات في حاجة إلى من يتغنى بتضحياتها ويمجد شهداءها. بعض الشعراء الجزائريين كتبوا عنهم وطالبوا بالاعتراف بتضحيات الإمارات من أجل الشعوب العربية. نعم كل هذا لم يغب عن أذهاننا. فهل الساحة الثقافية الجزائرية بمنآى عن الاختراق؟
كانت إجابتي على سؤال الشاعر سليمان هادئة جدا: هب أنك ستنشئ فرعا لبيت الشعر الخليجي في الجزائر ويطلبون منك تنظيم مهرجان في أرقى فندق بالجزائر يحضره أربعون شاعرا عربيا كلهم على نفقة الإمارات. موضوع المهرجان تمجيد شهداء الإمارات في اليمن. من سيتحدث من شعراء العرب عن مليون ونصف مليون شهيد جزائري؟ ثم لا تنس أن مجرد استلام مبلغ مالي من دولة أجنبية يجعلك تحت رقابة المصالح المالية والأمنية.
الأفضل أن نؤسس جمعية ثقافية وطنية وفقا للقوانين الجزائرية. اما التسمية فلنتركها للنقاش.
أعلنا عن مشروع بيت الشعر الجزائري في شكل دعوة موجهة للشعراء على صفحتينا بالفيسبووك. كانت الصدفة أن الخلفية التي أخذنا بها الصورة هي المبنى الذي تم فيه تأسيس اتحاد الكتاب الجزائريين في عام 1963. ربما كان تأسيسه بداية لمأسسة الفضاء الثقافي الوطني. هل يكون بيت الشعر الجزائري مناسبة لتحصينه؟
كان تجاوب الشعراء مع الدعوة رائعا. رأوا فيها مشروعا ثقافيا وإبداعيا. وبدأ العمل على جمع الشروط الضرورية لتأسيس جمعية وطنية. كنا ننتظر توفر نصاب العدد لتأسيس جمعية وطنية كما يشترطه قانون الجمعيات الوطنية: عدد محدد من الأعضاء المؤسسين في عدد معين من الولايات. 
بعد ستة أشهر توفر النصاب المطلوب فأعلنا عن ذلك وبدأنا جمع الوثائق. لكن الذين كانوا يسعون إلى تأسيس فرع لبيت الشعر الخليجي بدأت تساورهم الشكوك. كانوا يرون في الدعوة محاولة للاستحواذ على مشروعهم. بدأت عمليات العرقلة والتشكيك والتضليل.
فاجأتني مكالمة من الإمارات العربية ليلا: هل مشروعكم يدخل ضمن مشروع ألف بيت للشعر الذي أعلن عنه أمير الشارقة ؟ وهل اتصلتم بالمسؤول الجزائري الفلاني الذي يملك الوثائق الضرورية لإنشاء فرع خليجي لبيت الشعر الجزائري؟
طبعا لا. لكن ذلك المسؤول لم يجد حرجا في أن يفاجئني يوما في سوق الخضر والفواكه بعد أن أعلنا عن جمعية عامة للمؤسسين بمدينة جنوبية لم نذكر اسمها. كنا في مارس وحاولنا أن يتزامن تأسيس بيت الشعر الجزائري مع اليوم العالمي للشعر (21 مارس 2017). قال لي بصريح العبارة: وثائق التأسيس عندي واعتمادكم من طرف وزارة الخارجية لتأسيس فرع لبيت الشعر العربي تقتضي موافقتي شخصيا. أجبته بهدوء: نحن نؤسس جمعية ثقافية وطنية وفقا للقوانين الجزائرية ولا نحتاج موافقة الخارجية. تراجع في مكانه وسألني باستغراب: ألا تحاولون تأسيس فرع للبيت الخليجي؟ لا. نحن نؤسس جمعية وطنية وقد جلبنا الوثائق من وزارة الداخلية.
حاول ان يعرف في أية مدينة سيتم التأسيس. قلت له لدينا عدة اقتراحات ولم نستقر على خيار بعد. قال لي أنه بإمكاننا أن نؤسس الجمعية في العاصمة وأنه مستعد للمساعدة في الإقامة وفي جلب وسائل الإعلام... قلت له ببساطة نحن التزمنا مع شركاءنا ولا يمكن أن نعود إلى الوراء.
علمت في ما بعد أن مسؤولا جزائريا أعطى وعدا للمسؤولين الخليجيين عن بيوت الشعر العربية بتسهيل الأمر (حسبما ذكره موقع دائرة الثقافة سنة 2015 https://www.sdc.gov.ae/Ar/NewsDetails/14/6). 
وأكثر من ذلك بدا التمهيد للأمر إعلاميا ببث برنامج إذاعي على امواج القناة الثقافية يحمل عنوان: بيت الشعر أشرف عليه شاعر وإعلامي مرموق مدة قبل أن تلتبس الأمور ويقع نزاع بين بعض الطامحين لزعامة بيت الشعر الخليجي في الجزائر فيتأجل كل شيء.
في الجمعية العامة التأسيسة يوم 27 مارس 2017 بمدينة وادي سوف كان النقاش حادا حول التسمية والرؤية التي تحملها. بيت الشعر الجزائر وليس بيت الشعر في الجزائر. كانت تسمية تحمل رؤية واضحة تماما. كان المؤسسون يحملون هاجسا كبيرا: إعادة بناء الساحة الثقافية التي أهملت الشعر وهمشت الإبداع وأخرجت الشعر من الحياة الثقافية. كان مجرد لقاء الشعراء انتصارا كبيرا.
بعد مدة اتصل بنا مسؤول آخر يظهر انشغالا بنظم قصائد في مدح المنارة لكن الذي كان يشغله حقيقة هو ذكر صاحب المنارة. مشروع بيت الشعر الجزائري كان أكبر من تلك الانشغالات بكثير.
حاولنا الحصول على مقر لبيت الشعر الجزائري وعلى موارد لإدارته وتنظيم أنشطته وإصدار كتبه ومجلاته ضمن برنامج نشاط شامل للتراب الوطني بكامله. بعد سعي حثيث لتحقيق تلك الأهداف اقتنعنا أن المسؤولين لا يريدون مشروعا ثقافيا للجزائر وإنما يريدون تنظيما يحقق طموحاتهم. 
لم نحصل على مقر ولا على موارد لتنفيذ برنامجنا. كان لا بد من إستراتيجية بديلة. هكذا أعلنا ان (مقر بيت الشعر الجزائري ليس مكانا مغلقا في مكان ما ولكنه قلب كل الشعراء المقتنعين بمشروعه. فحيث يوجد شاعر فثمة بيت الشعر الجزائري). عملنا على تنظيم ملتقى وطني كبير يكون إعلانا عن المشروع. ملتقى راهن الشعر الجزائري ومهرجان عيد النصر (19- 21 مارس 2018) . كان ملتقى من تنظيم الشعراء وبمشاركة المؤسسات الثقافية الوطنية. خلفيته الأساسية هي أن يكون (المبدعون هم حملة المشروع ومنفذوه وأن تكون المؤسسات والهياكل الثقافية الوطنية في خدمة المشروع الثقافي). نجحنا في إثبات أن ذلك ممكن. وأكثر من ذلك: أثبتنا أن تضافر جهود المبدعين والمؤسسات هو الشرط الأساسي للنجاح.
بدأت تنهال علينا الطلبات لتأسيس فروع لبيت الشعر الجزائري عبر التراب الوطني. اشترطنا أن يكون التأسيس بناء على برنامج نشاط لمدة سنة على الأقل يتضمن عناصر عملية وفقا لخصوصيات المنطقة الثقافية والاجتماعية، مع تشكيل فريق عمل قادر على تنفيذ برنامجه ويتم تنصيب المكتب في أول نشاط ينظمه. اشترطنا وجود شعراء من أجيال مختلفة وباللغتين الوطنيتين العربية والأمازيغية وبالدارجة وباللغات الأجنبية مع وجود باحث أو ناقد وإعلامي. وان يتم العمل بالاشتراك مع المؤسسات والهياكل الثقافية المحلية التي وجدنا من مسيريها كل التعاون والدعم. ما استثمرته الدولة في الهياكل الثقافية قادر على ضمان حياة ثقافية وطنية زاخرة لو توفرت بعض الشروط التنظيمية والبشرية. منها وجود برنامج عملي وفريق عمل فعال.
في بعض المراحل كانت الجزائر خالية من أي نشاط سياسي أو اجتماعي. انطلق بيت الشعر الجزائري في وقت كانت فيه المؤسسات تتراجع بشكل مهول امام قوة الأشخاص وكثرة الفضائح المالية والأخلاقية. ما قام به الشعراء من حراك في ساحتهم كان بمثابة إرهاص بالحراك الشعبي الذي سيجري بعد سنتين: كانت قيادة بيت الشعر الجزائري في الأرض بسياراتها تجوب ربوع التراب الوطني وكان قائد الأركان في الجو. بلا ميزانية ولا موارد وبالإمكانيات الشخصية للأعضاء المؤسسين ومؤسسي المكاتب الولائية بالشراكة مع المؤسسات والهياكل المحلية تم تنظيم أكثر من 85 نشاطا في أكثر من 32 ولاية في ظرف سنة ونصف تقريبا.
بعد هذه السنوات نجد أن بيوت الشعر الإماراتية في البلدان العربية أدت وظيفتها وهي تمهيد الأرض لسيطرة نخبة موالية لأطروحات سياسية وثقافية معينة. الإمارات تقوم الآن بجني ثمار استثمارها الثقافي في المجال السياسي. 
بيت الشعر الجزائري تأسس منذ البداية برؤية واضحة : تحصين الساحة الثقافية أمام مشاريع الاختراق الثقافي والمالي المدعوم من قبل مسؤولين مستعدين للتعايش مع الفساد. الساحة الثقافية الوطنية تختزن عناصر إبداعية وقيما ثقافية وإمكانيات تطور هائلة. ما ينقص هو الرؤية السياسية الإيجابية للثقافة. 
بيت الشعر الجزائري هو بداية رؤية مستقبلية للثقافة.
صورة الجمعية التأسيسية لبيت الشعر الجزائري في 27 مارس 2017

 

 

شوهد المقال 304 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته
image

نصر الدين قاسم ـ وتسقط الأراجيف ويعلو صوت السلمية

نصرالدين قاسم  أثبتت السلمية مرة أخرى أنها سيدة قرارها، قررت تعليق المسيرات الاحتجاجية لا خوفا من السلطة ولا ارتداعا من سطوتها وبطشها إنما صونا لصحة الجزائريين
image

نجيب بلحيمر ـ السلمية.. ثابت وطني ومفتاح المستقبل

نجيب بلحيمر السلمية حية.. هذا ما أخبرنا به هذا الاثنين التاريخي الذي خرج فيه الجزائريون عبر مختلف أنحاء الوطن ليقولوا بصوت واحد انهم مصممون على إنقاذ
image

محمد هناد ـ التعديل الوزاري والجزائر تدي الإستقلال

د. محمد هناد   الشكل الذي أتى به «التعديل» الوزاري الأخير لم يكن منتظرا ؟ لاسيما بعد تلك النبرة الساخرة التي سبق لرئيس الدولة عبد المجيد تبون
image

جمال الدين طالب ـ 22 فيفري 2019 ـ2021 : لا لغة أخرى تقول

جمال الدين طالب             لا لغة أخرى تقولولا كلماتلا خطب أحّرى ولا شعارات***لا لغة أخرى تقوللا معاني أدرى ولا استعارات *** أغاني الثورةحراك الشعبصخب المجازات***"نظام" الفوضىهذيان الجرابيع
image

رضوان بوجمعة ـ الأسئلة المغيبة لدى الأجهزة الحزبية والإعلامية و"النخب الجامعية"!

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 194 عامان كاملان مرا اليوم على انطلاق الثورة السلمية، عاد الشعب إلى الشوارع، اليوم الاثنين، يوم يشبه أول "جمعة" من الحراك،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats