الرئيسية | الوطن الجزائري | طيبي غماري ـ الإعلام والتلاعب بالعقول

طيبي غماري ـ الإعلام والتلاعب بالعقول

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. طيبي غماري 
 
يحكى أن مجلسا كان يحضره رجل فقير مع مجموعة من الأثرياء. بعد العشاء يعقدون جلسة شاي ويبدؤن في ذكر يومياتهم وإنجازاتهم كان الكل يتفاخرون بربح جزيل أو عملية ناجحة الا الفقير عندما يأتي دوره كان يحكي لهم عن فأر ينغص عليه حياته لأنه في كل مرة يقطع له المزود (كيس الدقيق الجلدي) وفي كل يوم يضطر إلى ترقيعه، وقبل أن ينتهي يقاطعونه "اسكت اسكت قيلنا مالكذب، فأر يقطع الجلد؟" ثم يلتفتون الى احد الاثرياء "احكي احكي يا السي فلان". بعد مدة أصبح الفقير غنيا بل أصبح اغناهم. فعند افتتاح جلسة الشاي، يتوجه نحوه الجميع "يا سي فلان كاش جديد؟" "ايه يا جماعة راني غي مع ذاك الفأر، علا بالكم اليوم درت المزود في كوفر تاع حديد" بقي الجميع منتبهون لرواية الفقير الذي استغنى، "ايه زيد كمل آسيدي" .... "أمالي يا جماعة تصدقوا بالله الفار اقعر الكوفر وفات للمزود قعره وشتت لي الفرينة" عند سماعهم الخبر ردد الجميع بانبهار، "ايه ايديرها ولد الحرام ... كمل آسيدي" 
عندما كان الإعلام المصري يبث ويبشر بالة الكفتة التي تعالج السرطان. كنت أتساءل كيف يمكن للاعلام أن يكون بهذا الغباء ليسوق خبرا بهذه السذاجة والسطحية والاحتقار؟ وفي نفس الوقت كنت أتساءل كيف يمكن أن يكون الإنسان المصري بهذه السذاجة ليصدق خبرا بهذا الغباء؟ الحقيقة هذا واحد من آلاف الاخبار بل ملايين الأخبار والتصريحات الغبية في كل مستويات الدولة التي سوق لها الإعلام المصري منذ ذلك الوقت إلى اليوم. 
ولكن المؤكد ان وسط عملية تتفيه الخبر هذه تم تمرير أخبار ساذجة تمس مسائل مصيرية تتعلق بالحياة اليومية السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي صدقها بل امن بها غالبية الناس دون شعور منهم، ربما يكون هناك الكثير من الناس من لا يصدقون مثل هذه الخزعبلات ويتخذون منها موضوعا للسخرية. كما أن هناك من الناس من لا يهتم بالاخبار أصلا فهي تمر أمامه مرور الكرام، ولكن مقابل هذا وذاك هناك من يصدق هذه الأخبار ويناظر من لا يؤمن بها ويعمل جاهدا على نشرها، المشكلة في نظري هي أن هذه الفئة هي اليوم تمثل الأغلبية وهي التي تعطي لأية سلطة شرعيتها حتى وان كانت مجروحة. 
اليوم عندما أرى قصة بوناطيرو مع اللقاح ومع الصمايم وقصة الشمة الكاشفة للكورونا في ظرف ثلاث ثواني، اشعر بأن تساؤلاتي عن سذاجة الإنسان وغباوة الخبر غير مبررة. لان الإعلام هو وسيلة حرب بين الدول وداخل الدول، وكما هو معلوم الحرب لا تعترف لا بالغباء ولا بالسذاجة، بل تستعملها بذكاء كمتغيرات يمكن توظيفها من أجل ربح الحرب. فالهدف الأسمى لإعلام الحرب هذا، أو الحرب الإعلامية هذه هو أن تنجح منظومة الإعلام في جعل الإنسان يكذب ما يرى ويصدق ما لا يراه. وهذا من خلال استراتيجية مؤسسة على تتفيه الخبر وتعويم الجسم الإعلامي بالتافهين وعديمي المهنية أشكال عندما ترى صورها لا تملك الا أن تقول OH my God اما عندما تتكلم هذه الأشياء فلا يمكنك الا أن تقول "ها الرب"، في خضم هذا التتفيه يتم تمرير رسائل مصيرية تساهم في شرعنة السلطة. قد يتساءل البعض كيف يمكن أن يحدث هذا مع منظومة إعلامية تبدو متعددة ومتنوعة وبالنسبة للبعض "حرة". فحتى وان بدت المؤسسات الإعلامية متعددة ومختلفة واحيانا متناقضة فيما بينها، لأنها تنطلق في الظاهر ونظريا من مصادر تمويل مختلفة وايديولوحيات متنوعة، الا انها عمليا تتبع او تدين بالتبعية لمصدر واحد وكأننا أمام مخرج بارع يوزع الأدوار بين هذه المؤسسات واحدة تكذب كذبا بواحا والأخرى تنتقدها والثالثة تتهكم عليها، والرابعة تبتعد بنفسها عن هذا الجدل العقيم تحضيرا لمرحلة تالية. بهذا الشكل تقوم كل مؤسسة بدورها بدقة وبمنهجية مدروسة لتكون النتيجة في نهاية الأمر لصالح التلاعب بالعقول لاقناع العامة بموقف السلطة. 
لا تستهدف هذه الحرب الإعلامية النخب وان كانت تستعمل بعضهم، بل تستهدف العوام من الناس اي الأغلبية، فتتلاعب بعقولهم كيفما تشاء لتجعلهم يؤمنون بالشيء ثم يؤمنون بضده بعد بضع ايام أو بضعة أشهر، قد يناقش الكثير من النخبويين والعوام هذا المحتوى الاعلامي فيضحكون على غباء بعض التصريحات ويتندرون على كذب بعضها ويهشطقون على سذاجة ما تبقى منها ضانين انهم أذكياء يملكون قدرة خارقة على فهم ما لم يفهمه الآخرون. الحقيقية انهم لا يختلفون عن الآخرين في شيء لأنهم انخرطوا من حيث يدرون أو من حيث لا يدرون في التوزيع الذي وضعه المخرج المركزي لعملية التلاعب بالعقول لمختلف الوسائط الإعلامية بما فيها تلك التي تعتقد أنها متحررة ونشطة. 
هناك الكثير من الامثلة التي تثبت هذا التلاعب بالعقول:
مثال شكيب خليل حيث صور للعامة كاطار من بين الطيور النادرة التي خطفتها الدولة بصعوبة من بين أيدي البنك الدولي والأمم المتحدة، ثم حول إلى مجرد مجرم ولص، ثم حول إلى ولي من أولياء الله الصالحين المعتكفين في الزوايا، لتعاد رسكلته للمرة الرابعة ويخرج لنا في شكل مجرم دولي كبير ولا نعلم لحد الان ما هي الصورة التي سيظهر بها في قادم الأيام والشهور. كل هذه الوضعيات المختلفة التي منحت للرجل تقبلها الإنسان العامي بانبهار وهو جالس أمام شاشته أو وراء جريدته وهو يردد في قرارة نفسه " ايه يديرها ولد الحرام". 
مثال غياب السيولة المالية في مكاتب البريد في كل التراب الوطني، فبعد انتشار الخبر خرج وزير البريد بتكذيب انتشر بقوة على وسائل الاعلام، ثم بعد أيام زاد بعض الرومنسية لتكذيبه عندما اعلن ان بامكان الانسان الجزائري أن يستعمل البطاقة الذهبية في شراء الأضحية من عند موال لا يؤمن الا بالورقة، وبقي المواطن حائرا هل يصدق الوزير ام يكذب الطوابير التي يراها بام واب وكل الطاسيلة تاع عينيه. بعدها عرضت هذه القنوات حوارا أجراه رئيس الجمهورية مع وسائل اعلامية وطنية لم يتعرض فيه لا من قريب ولا من بعيد لهذه المسالة. في صباح اليوم الموالي لهذا الحوار دار نقاش بين انسانتين واحدة تدعي غياب السيولة النقدية والثانية تؤمن أن هذه مجرد إشاعات، بعد عرض حجج هذه وتلك قالت التي تؤمن بان الأمر مجرد اشاعة "يا ختي الرايس قال البارح بلي عندنا الدراهم هاذوا عديان الوطن راهم غي يكذبوا علينا. الدراهم كاين وبالكفاية" هذه النتيجة الباهرة للتلاعب بالعقول التي تجعل المتلقي يردد بانبهار عبارة "ايديرها ولد الحرام" حتى بالنسبة للأخبار التي لا يصدقها اي عاقل، هي التي يجب أن تكون محورا للبحث والدراسة والفهم من قبل علماء الإعلام وعلماء الاجتماع وعلماء النفس وغيرهم، لمعرفة الآليات التي يمكن أن يتحول بها الوهم إلى حقيقة والكذب إلى مسلمات يقينية لا ينفيها الا مستوى أعلى منها من التلاعب بالعقول.

 

شوهد المقال 140 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats