الرئيسية | الوطن الجزائري | طيبي غماري ـ في محاولة الرد على دعوى دراسة تمرد الجزائريين على إجراءات الحجر الصحي سوسيولوجيا

طيبي غماري ـ في محاولة الرد على دعوى دراسة تمرد الجزائريين على إجراءات الحجر الصحي سوسيولوجيا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. طيبي غماري
 
يضع هذا المطلب علماء الاجتماع أمام المحك، حيث سنجد أنفسنا اذا ما اردنا استجابة صادقة مضطرين إلى إبراز علم اجتماع حقيقي لدراسة الجزائر الحقيقية من أجل الوصول إلى تشخيص حقيقي بعيدا عن كل التمثيليات العلمية والإعلامية والسياسية التي نعيشها منذ عقود. 
منذ أكثر من خمس وعشرين سنة من الاشتغال في حقلي السوسيولوجيا والانثربولوحيا تأسست معظم ابحاثي على فرضية مركزية يمكن اعتبارها كخيط مسير لتفكيري في مختلف مسائل ومظاهر المجتمع الجزائري. خلاصة هذا الخيط هو انه ومنذ الاستقلال حدث اختلال وظيفي خطير أدى إلى تراتب ثلاثة مؤسسات فوق بعضها البعض مع الكثير من التأثير والتأثر فيما بينها. والتراتب هنا يعني اصطفاف هذه المؤسسات فوق بعضها البعض مع حدود وفواصل تمنعها من الاختلاط والتكامل والتعاون وتشجعها على الاستثمار البراغماتي في بعضها البعض. تعمل هذه المؤسسات الثلاثة بشكل مستقل عن بعضها البعض وان كانت تستفيد وتتضرر من بعضها البعض وتعتمد على منطق واستراتيجية ووسائل خاصة. 
تتمثل هذه المؤسسات في مؤسسة السلطة بجميع مكوناتها غير المنسجمة والمتنافسة والمتصارعة، يبقى الهدف الأسمى لهذه المؤسسة هو الحفاظ على هيمنتها على السلطة والاحتفاظ بكل مصادر الثراء الاثراء التي تجود بها أرض وسماء هذا الوطن. 
اما المؤسسة الثانية فتتمثل في المعارضة التي تعاني هي بدورها من ضعف الانسجام والوحدة حيث راحت بعد التجارب الفاشلة الكثيرة منذ 1962 إلى اليوم تطور منطقا براغماتيا تحاول من خلاله انتزاع بعض المزايا من مؤسسة السلطة ليكون لها مكان يؤخذ في الحسبان تحت سماء وفوق أرض الوطن.
اما المؤسسة الثالثة أن جاز لنا اعتبارها ذلك فهي الشعب الذي تعلم الكثير من تجاربه المتكررة مع السلطة والمعارضة فطور بدوره منطقا ووسائل خاصة جعلته بتعامل هو الآخر براغماتيا مع الاثنين ولم يعد له اي مانع من أن يبوس السلطة والمعارضة من فمها من أجل قضاء حوائجه في العلن وفي السر والكتمان. 
قبل الثورة الإعلامية الهائلة كانت السلطة تحتكر الخبر والمعلومة ومن ثمة كانت قدراتها على المناورة والتلاعب بالعقول قوية ولم يكن لها أي منافس في في هذا المجال. مع هذا التطور الإعلامي الرهيب فقدت السلطة إمكانية احتكار إنتاج الخبر واحتكار الحقيقة واخفائها وتزويرها، بحيث أصبح الآن بإمكان كل شخص في اي من المؤسسات الثلاثة صناعة الخبر واخفاءه واعلانه ونشره عند الحاجة. ان الجمع بين هذه الإمكانيات المتاحة للجميع والمنطق البراغماتي للجميع سنجد أنفسنا أمام ثلاث مؤسسات تتعايش مع بعضها البعض وفق منطقها الخاص ووفق تنازلات استراتيجية محسوبة بدقة تستهدف أهداف خاصة ومنفصلة عن أهداف باقي المؤسسات.
تمثل الجائحة التي تضرب العالم اليوم وطريقة تسيير الأزمات المرافقة لها احسن مثال لمحاولة إثبات هذه الفرضية. فحتى وان كانت الجائحة وازماتها واحدة الا أن طريقة التعامل معها تختلف من مؤسسة لأخرى وفق ما هو متاح من وسائل وبناء على منطقها الخاص.
تريد مؤسسة السلطة تسيير هذه الأزمة باخف الاضرار الممكنة، دون إغفال رغبتها أو على الأقل جناح من أجنحتها في استعمال مخرجات هذه الأزمة للمساعدة على تحقيق الهدف الأسمى لها وهو الحفاظ على السلطة في يدها والحفاظ على مصادر الثروة والاثراء. من جهتها ترى المعارضة في هذه الأزمة فرصة مهمة للتفاوض مع السلطة على المزيد من التنازلات لتوسع مكان تواجدها على الأرض وتحت السماء. اما الشعب اي المجتمع فيتصرف وفق منطقه الخاص أيضا محاولا الاستفادة قدر المستطاع من هذه الأزمة.
نتيجة هذا التنافس البراغماتي نحن أمام ثلاثة عوائق يمكن تبنيها كفرضيات يمكن أن تساهم في تفسير امتناع المجتمع عن الاستجابة الايجابية لمقاربة السلطة 
العائق الثقافي: تبنت السلطة وفق منطقها دائما مقاربة تحديث المجتمع وهي نعتقد انها نجحت خلال الستين سنة الماضية في إخراج لمجتمع من التخلف الى الحداثة. من جهته تصرف المجتمع بمنطقه الخاص مع مشروع الحداثة والتحديث وابدى مقاومة داخلية شرسة جعلت منه في الكثير من الأحيان يبدي ما لا يخفي. ومن هنا يمكننا القول أن فشل السلطة في تحقيق أهداف الحداثة جعلنا أمام سلطة علمانية عقلانية تؤمن بضرورة العلم لتجاوز الأزمة وهي نتصرف وفق هذا الفهم في تسيير الجائحة، ومجتمع تقليدي ديني وشعبي لا يزال متمسكا بقدرة القضاء والقدر ومن هنا فهو يتصرف وفق قناعاته التي تتعارض مع قناعات السلطة. وهذا ما يفسر بشكل كبير رفضه الامتثال لأبسط الإجراءات كمنع صلاة الجماعة والتراويح والتباعد وعدم التصافح أو عدم المعايدة وعدم التعزية ومنع الإفراح والاعراس 
العائق السياسي: لا يثق المجتمع في السلطة ولا في المعارضة ويعتبر أن كل ما يجري التسويق له ليس الا مؤامرة سياسوية ضده وهو يستند في هذا على التاريخ الطويل للمؤسستين الاخريين في مجال تزييف الحقائق والتلاعب بها إذ سيكون من المستحيل اقناع المجتمع بعدما أكتشف أو كشف له أنه خرج لتوه من ثقب اسود كانت السلطة والمعارضة تتنافس عل تصويره عل انه جنة الله فوق الارض، خاصة وأن نفس الأشخاص ونفس المؤسسات ونفس الاساليب التي كانت تصور النظام السابق على انه نظام أتى به رسول مرسل من الله، هي نفسها من تطالب الناس بالتصديق بالجائحة وبتنفيذ اجراءات الحجر. زاد الانفتاح الإعلامي من الهوة بين الشعب وباقي المؤسسات فلم يعد من السهل تمرير هذه السياسات على المواطنين لأن امكانية التأكد من مصداقيتها أصبحت متاحة للجميع. وهذا ما يفسر لنا التباين الكبير بين خطاب السلطة الذي يبث في نشرات الثامنة وخطاب الواقع الذي يصنعه المجتمع، خطابان رافضان لبعضهما البعض. 
العائق التنظيمي: نتيجة تداخل مكونات المؤسسات الثلاثة برز شكل من الفساد بالمحاباة على الاقل، فرجل الأمن والموظف الذي من المفروض أن يسهر على حسن تنفيذ هذه الإجراءات هو ابن الشعب والجار والزوج والصديق وبالتالي لن يكون لأي قرار بمنع اي شيء اي فائدة، ولهذا نجد أن المحال والمقاهي لم تغلق وان الكمامات لم تستعمل ومسافات التباعد لم تحترم. قد يفسر البعض هذه المسألة بنقص الوعي، متجاهلا انه في مثل هذه الوضعيات لا نعول كثيرا على الوعي بل نعول على القانون والنظام، لأن غياب الدولة وغياب القانون والنظام لا بعوضه الوعي مهما كان قويا.
في الاخير يبقى الأمل في وعي السلطة وليس في وعي الشعب، اي ان بداية حل معضلتنا في الحياة كلها وليس في الجائحة فحسب تكمن في قدرة السلطة على إعادة النظر في علاقتها مع المعارضة ومع المجتمع، وبداية التأسيس لمقاربة جديدة تتخلص نهائيا من مرض الهدف الوحيد المؤسس على هوس السلطة والاحتفاظ بها الذي لن ينتج عنه الا جيوس من الانتهازيين والتخوين والعنصرية والجهوية وهي كلها توابل قوية تحضر لما لا يحمد عقباه، يتبع التخلص من هذا الهوس بمقاربة جديدة مؤسسة على خدمة المجتمع وتنمية البلد وتطوير الدولة بالاعتماد على جميع ابنائها وبناتها في كنف العدل والمساواة بصدق وواقعية.
 
ملاحظة : تصريح جراد الوزير الأول عن لامبالاة الجزائريين تحتاج لدراسة سوسيولجية  

 

شوهد المقال 308 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats