الرئيسية | الوطن الجزائري | سعيد لوصيف ـ لديّ حلم... (عن نصّ مارتن لوثر كينغ بتصرّف) I HAVE A DREAM ، في الذكرى 28 من اغتيال سي الطيّب الوطني أعيد نشر حلمه وحلم الجزائريين والجزائريات

سعيد لوصيف ـ لديّ حلم... (عن نصّ مارتن لوثر كينغ بتصرّف) I HAVE A DREAM ، في الذكرى 28 من اغتيال سي الطيّب الوطني أعيد نشر حلمه وحلم الجزائريين والجزائريات

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. سعيد لوصيف 

 

قبل ثمانية وخمسين عاما، أعلن الجزائريون والجزائريات بالبندقية والشهادة بيان التحرير من ويلات الكولونيالية والاستعمار. كان ذلك اليوم التاريخي بمثابة شُعلةٍ اهتدت بها آمالُ الملايينِ من الجزائريات والجزائريين، الذين عانوا الظلم واحترقوا بلهبه المزري؛ فجاء يوم الاستقلال كفجرٍ ضاحكٍ ليُنهيَ ليل الاستعمار الطويل، ويرسم تطلّعات شعب في الحرية والعيش الكريم... لكن، وبعد ثمانية وخمسين عاما من ذلك التاريخ، يتعيّن علينا اليوم وبكلّ جرأة،أن نواجه حقيقة مأساوية أخرى وهي أن الجزائرية والجزائري لا يزالان مُعاقين بقيودِ حكم غير ديمقراطي، و ثقل "مشاريع" هيمنات مستترة غير معلنة، وأغلالِ الاستصغار والحـﭭـــرة والتمييز واللامساواة ؛

 

بعد ثمانية وخمسين عاما ، لا تزالُ الجزائرية والجزائري يعيشان على هامش التاريخ ؛
بعد ثمانية وخمسين عاما ، لا تزالُ الجزائرية والجزائري يشعران بالغربة في وطنهما، ويشعران أنهما غير مكتملي المواطنة.

 

 

عندما كتبت الجزائريات والجزائريون بالدّم والمحن فصول تاريخ بلدهم الحديث وأعلنوا استقلاله، كانوا قد وقّعوا على صكٍّ ظلّ كلُّ واحد منهم ينتظر أن يرثه.
كان ذلك الصكُّ يتضمّن وعداً بحقوق لا تضيع، وحريةٍ مصونة تتشكّل في مواطنة غير منقوصة، وسعيٍ حثيثٍ نحو العدالة والمساواة أمام الفرص والقانون.

 

 

ومن الواضح اليوم للعيان أنّ من حكموا الجزائر قد خالفوا بنود ذلك الصكّ، وخالفوا وعد التاريخ، وقصّروا في حقّه؛ فبدلاً من الوفاء بأحكام ذلك الالتزام، أعطوا للشعب (شيكاً) زائفاً. (شيكاً) كُتبَ عليه بعد محاولة صرفه: " لا يوجد رصيدٌ كافٍ ". 
لكن، وبالرغم من ذلك فقد بقي من الجزائريات والجزائريين من يرفض التصديق بأن مصرف الحرية والعدل و المواطنة والمساواة قد أفلس...

 

بقي من الجزائريات والجزائريين من يرفضُ أن يصدّق بأن الرصيد غير كاف للوفاء بتعهدات التاريخ، والالتزام بها حتى تتفتّح الزهور على مشروع مواطنة تنصهر فيه بإرادة العقل والحق في التعدد والاختلاف بعيدا عن سياجات الدغمائيات ...

بقي من الجزائريات والجزائريين من يرفض أن يصدّق بأنّ هذه البلاد أصبحت عاقرا،ولم تعد قادرة على إنجاب نساء ورجال لم يفلسوا أبدا في قيمهم الإنسانية السامية، وتوقهم اللامتناهي نحو الحرية والعدل والمساواة.

لذا، كان موعد 22 فيفري 2019 يهدف للتأكيد بأنّ الجزائريات والجزائريين يريدون أن يصرفوا هذا (الشيك) لكي يمنحهم ثروةَ الحريّة، وأمن العدالة، ورفاهية المساواة والمواطنة؛ويجنّبهم تسلّط "الـبـﭱــارة"، وهيمنة تجّار الدين والايديولوجيا، وحكم الرّداءة، واستفحال العشائرية وثقافة البداوة...

إن زمن ما بعد 22 فيفري 2019 ليس زمن الانخراط في السكون المثبّط لعزائم النهوض، أو زمن تعاطي مسكنّات الأوهام الزائفة التي لا مفعول لها...

إنّه زمن البقاء على حكمة "يا علي موت واقف". إنّه زمن الجدّ الذي يستدعي منّا الوعي التام بالمخاطر المحدقة بنا... هذا الزمن هو الذي يحتم علينا أن نُبرم فيه وعوداً حقيقية للعيش مع بعض في الاختلاف - كلّ الاختلاف غير منقوص - وبناء نظام سياسي ديمقراطي و دولة حديثة قوامها العدل والمساواة والمواطنة...

الآن هو الزمن الذي فيه ننهضُ من الانهزامية ونهجر أودية الاقصاءات السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية ...، لنصلَ إلى الطريق المضيء للحرية والعدالة و العيش في مجتمع مفتوح حديث.

الآن هو الزمن الذي يستدعي أن تفتح فيه أبواب الفرص لكل زهور هذا البلد؛ فلندعها تتفتح، ولنطلق سراحها نحو آفاق غد مشرق هو ممكن وغير بعيد.

إن الأمر قد يُصبح مُهلكاً إن تغافلنا واستخففنا بالمخاطر المحدقة بنا، وإن لم نحسن قراءة سهام التاريخ والمستقبل، وإذا لم ننصت أيضا لإلحاح الثورة السلمية وأهدافها السامية في التحرّر والانعتاق من ويلات كلّ الهيمنات القاتلة لفكرة الإنسان الحرّ، و كذا الانصات لشروط التحوّل الحداثي وزمن الكفاءة والاستحقاق.

 

أحبّائي، أقول لكم اليوم أنه وبالرّغم من الصعوبات والإحباطات التي نمرّ بها، إلا أنني ما زلتُ أحتفظُ بحلمي. إنه حلمٌ متأصلٌ في عمق تاريخ هذه الأرض، ويضرب بجذوره في حلم مصيليا ونوميديا وبني مزغنّة... فاليوم لديّ حلم...

لدي حلمٌ بأنه في يومٍ قريب من أيام فصول السنة سوف تنهض بلادي وتُحيي المعنى الحقيقي لالتزامها التاريخي فتقول: " إننا نلتزم بكلّ حقائق الحرية والعدالة لتكون بيّنةً بيننا وعقدا سياسيا واجتماعيا واعيا ينظمنا بعيدا عن كل تسلّط أو هيمنة ". ... فاليوم بالفعل لديّ حلم ...

لديّ حلمٌ بأنه في يومٍ قريب من أيام فصول السنة وعلى تربة مصيليا ونوميديا وبني مزغنّة، سوف يتمكن أغلب الجزائريات والجزائريين من الجلوس مع بعضهم البعض، ويعقدوا قران الشعب، من دون تردّد أو رجعة، مع الحرية والعدالة والمساواة والمواطنة... فاليوم بالفعل لديّ حلم ...

لديّ حلمٌ بأنه في يومٍ قريب من أيام فصول السنة، سوف يتحولُ كلّ شبر من أرض مصيليا ونوميديا و سيرتا و ميزاب والأهقار إلى مشتلة للحرية والعدالة والمساواة والمواطنة... فاليوم بالفعل لديّ حلم...

لديّ حلمٌ بأن أبنائي مهدي ولينا و كلّ أبناء الجزائريات والجزائريين سوف يعيشون في يومٍ قريب من أيام فصول السنة في دولةٍ تنبذ الحـﭭـــرة والتهميش، و ترفض تغوّل العشائرية والزبائنية والانصياع السياسي ؛ و يعيشون بالفعل في دولة هي دولتهم، يشعرون حقّا بأنّها حقيقة سياسية: أي دولة المواطنة التي تصون حقوقهم الشرعية والطبيعية...فاليوم بالفعل لديّ حلم. ..

لديّ حلمٌ بأنه في يومٍ قريب من أيام فصول السنة،سترقى ممارسة السلطة إلى درجةٍ من العقلانية والأخلاقيات والالتزام بعيدا عن "البزنسة" و "الدعارة السياسية"، يؤسس بها الجزائريات والجزائريين لمشروع المجتمع المفتوح الذي يحكمه الحق في الاختلاف، و مشروع الدولة الحديثة التي يحكمها القانون والحق في الاعتراف... فاليوم بالفعل لديّ حلم ...

لديّ حلمٌ بأنه في يومٍ قريب من أيام فصول السنة سوف يُرفع كلُّ وادٍ، وتُخفضُ كلُّ الجبال والتلال، وتُسوّى الأراضي غير المستوية، وتُقوّمُ الطرق المعوجّة، وتضيء نجوم الربّ سماء هذا البلد... فاليوم بالفعل لديّ حلم ...

 

هذا هو أملي. هذا هو الإيمان الذي أعلنت به عن هويّتي. بهذا الإيمان، سوف نستطيع أن نشقّ جبل اليأس بحجرٍ من الأمل.
بهذا الإيمان، سوف نستطيع أن نحوّل النشاز المزعج في مجتمعنا إلى سيمفونيةِ رقيّ وتحضّر متناغمين.
بهذا الإيمان، نستطيع أن نتواصل ونتعايش ونقاوم معاً، ونقف للحريةِ والعدالة والمساواة معاً، مؤمنين بأننا في يومٍ قريب من أيام فصول السنة سنكون مواطنين، راشدين، كاملي الحقوق، ونعلن انتصار المواطنة.

 

 

سيكون هذا هو اليوم الذي يغني فيه كل أبناء ماصيليا ونوميديا وبني مزغنة وميزاب والأهقار:
جزائر، أيتها الأرض الطيّبة، قد تحقق حلم "سي الطيّب الوطني"، وصرتِ أرض الحرية والعدالة والمساواة والمواطنة... 
ويستمر حلم سي الطيّب الوطني وحلم الجزائريين والجزائريات ...
 

 

شوهد المقال 289 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عادل السرحان ـ شهقةُ الكرملْ

عادل السرحان                ياأبتِ خذ قلبي وامنحني قلبك وإن كان عليلاًسأحيا به ... حتماً سأحيا حبك كالربيع وأنى لزهرةٍ أن تموت حين يغشاها الربيعخذ قلبي الفتي
image

عادل البشراوي ـ قرابين هولاكو

عادل البشراوي عندما جهز جورج بوش الإبن قوات التحالف للحرب على الإرهاب قبل عقد ونيف فاستحل أفغانستان والعراق، كان يقول أن الرب تحدث معه وأمره بذلك
image

عماد بوبكري ـ ما وراء ملف الصحراء الغربية في الحسابات الجيوسياسية الإقليمية و الدولية

عماد بوبكري  أنا من اللذين يعتقدون أن ملف الصحراء الغربية خرج من الحسابات الضيقة و المناواشات الجزائرية المغربية الضيقة ليدخل و بصفة دائمة كقضية مربوطة حتميا
image

سعيد لوصيف ـ التفكير في المجتمع الجزائري المعاصر

د . سعيد لوصيف  يعتبر التفكير في المجتمع الجزائري و ظواهره النفسية الاجتماعية نشاط شيّق و شاق في الوقت ذاته: شيّق لأنّه يسمح للباحث
image

نجيب بلحيمر ـ مرض تبون.. مأزق السلطة وفرصتها

نجيب بلحيمر  حديث "الفراغ" يهيمن على ما يكتب ويقال عن الجزائر. هنا وفي الخارج أيضا، فرنسا تحديدا التي يرانا بعيونها جزء كبير من العالم، تجري المقارنات
image

العربي فرحاتي ـ الساركوزية والماكرونية..والحراك

د. العربي فرحاتي  بدافع التلهية سبق لساركوزي أن أثار قضية الاعتراف بجرائم الاستعمار باعتبارها قضية الشعب الجزائري وهو كلام استهوى الكثير من مثقفينا فأثاروها كما لو
image

نجيب بلحيمر ـ الفراغ.. مرض النظام المزمن

نجيب بلحيمر   “سمعنا دعوات لإلغاء الإستفتاء، فإننا إذا فرضنا جدلا بالتسليم بتلك الحجج وفي إطار وفاق وطني بين الشركاء في الساحة الوطنية بضرورة إلغاء الدستور
image

عادل السرحان ـ جنوبي أنا

عادل السرحان                ومذ ولدتُ رضعتُ حروف المحبّةمن صدر أمّي وأول مانطقت به (حبوبي)تشرق شمسي من سعف النخيل وتغرب خلف خطوط الكهرباءفي الأفق الخجولتعلّمتُ البكاء قبل الولادة وحين خرجت
image

فضيلة معيرش ـ مرآب في بيت أبي

فضيلة معيرشأدمن الصمت على عتبات الماضي دون ما يد حانية تخفف من أعباء شكواه، تزوج منذ أكثر من عشرين سنة وهاهو عبد الباقي يقترب
image

أحمد سليمان العمري ـ سياسات عقيمة ورسومات لا تختلف عنها

أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف«إنّا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر». هل الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لرسول الأمّة حريّة تعبير أم استفزاز صريح لشريحة كبيرة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats