الرئيسية | الوطن الجزائري | وليد بوعديلة ـ رمضان في زمن كورونا..مداواة القلوب أم الصراع للبقاء؟؟

وليد بوعديلة ـ رمضان في زمن كورونا..مداواة القلوب أم الصراع للبقاء؟؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.وليد بوعديلة 

-1-عن صوت الروح ومطالب البدن:
من يتأمل الكتب التي تتبعت تاريخ الحضارات و الأمم سيجد أن الكثير من محطات سقوط هذه الحضارات وانهيار عمران الأمم متعلق بطغيان صراعات الأبدان،ومعه كل صور ومفاهيم المادة والمال والسلطة والجاه،أو لنقل المعاني المادية والترابية للسعادة.ولشيخ الاسلام ابن القيم الجوزية كلام جميل ومعبر في كتابه الفوائد،ضمن فصل الروح والبدن،و نقرأ منه"خلق بدن ابن أدم من الأرض، و روحه من ملكوت السماء،وقرن بينهما،فاذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه في الخدمة،وجدت روحه خفة وراحة،فتاقت الى الموضع الذي خلقت منه،واشتاقت الى عالمها العلوي،و إذا أشبعه ونعمه و نومه واشتغل بخدمته وراحته،أخلد البدن الى الموضع الذي خلق منه."
وهنا نعي جيدا الصراع الخفي لدى كل انسان بين بعده الروحي وبعده الترابي، أو بين ما أسميناه صوت الروح،لما في كلمة الصوت من عذوبة وهمس ورقة،وبين ما قلنا بانه نداء البدن ،لما في كلمة النداء من معاني الصراخ والشراسة والجهر والصخب.
وفي تراثنا الشعري مساهمات كثيرة للتعبير عن هذه الأفكار،نجدها عند شعراء الرسول ص في صدر الاسلام،وامتدت مع شعر ونصوص المتصوفة،في المشرق والمغرب،كما حضرت ثنائية الروح و الأبدان عند شعراء العهد الأموي ثم العباسي، وفي كل فترات الأدب العربي قديمه وحديثه،وباختصار لا نجد زمنا غابت فيه معاني تصوير أشواق الروح ومحاولاتها للانتصار في عراكها مع نزوات البدن.
وهنا تريد الروح للانسان أن يستكمل فضائلها،لأنها هي من تحقق له الانسانية،وترتقي به نحو الملائكة،بأفعال تعبدية متعددة،مع الخوف هنا من التراجع وغلبة الحسد والغرور والحقد، ومحاولات البدن للسيطرة على القرار بطرق خبيثة متنوعة،ومنها الرياء ودخول وساوس الشيطان.
ونتذكر في هذا المقام الجدل ،في رمضان زمن كورونا،حول الصدقات والتبرعات الخيرية،للأفراد والجمعيات،بين مؤيد للنقل والتصوير عبر منصات التواصل وقنوات الاعلام،ورافض لهذه الممارسة،باعتبارها تقدم صورا للتفاخر والتباهي والجهر بفعل الخير،وتجعل من الفقير او المستفيد من الصدقة ذليلا مستكينا متسولا.ونحن مع تصوير موقف الصدقة للتعريف بالجمعيات النشطة الفعالة،لكن دون تصوير المستفيدين من التبرعات.لكي نقول للجميع بان الخير مازال في هذا الشعب،وكما يوجد المحتالون الناهبون( من فاز بدنهم على روحهم)،هناك رجال الخير والمحسنون(من فازت روحهم).
وأتذكر هنا قول ابن عطاء الله السكندري،عن همس صوت خفي في أذن وقلب صاحب الخير والعبادة والصدقة،يقول ابن عطاء في حكمة من حكمه:"ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك." أي أنك تتمنى أن يراك الناس أثناء العبادة او تقديم الصدقة،فتقع في الرياء وتضيع الأجر والقبول.
وهكذا يبقى الانسان في صراع متواصل،بين الروح والبدن،في سياق زمن صعب ،تحاصر فيه المشاغل اليومية كل افراد المجتمع،فتنسي الغني صاحب المال جاره الفقير المحتاج،وتنسي صاحب الصحة من يرقد على فراش المرض،وينسى من هو في يسر اهله واقاره الذين هم في عسر.
ولا ينجح في اختبارات الدنيا إلا من عرف الطريق إلى الله،ووعى معاني النص القرآني،وقرأ بوعي الأحاديث النبوية،بخاصة حول الرزق وتفريج الكرب عن المؤمنين،وعلاج الغم والهم، ولا تنتصر الروح عنده الا من عرف كيف يقود البدن ويجعل من المال وسيلة للتقرب لله وخدمة ما بعد الموت،اي من جعل من كل لحظات الدنيا فرصة لإعمار الآخرة،وليس من غرق في دنياه وعمرها ونسي انها فانية،فيخدم،مثلا، ماله ؟! بدل أن يكون المال في خدمته،وعلينا هنا أن نعود للقران ونقرأ سورة الكهف وقصة صاحب الجنتين ومصيره بعد أن كفر ولم يشكر النعم واحتقر الفقير،،فمن يعي؟؟،.


-2- مداواة النفوس واصلاح الاخلاق..زمن كورونا


لنتفق معا أن هذا العصر يتطلب من الانسان معرفة الكثير من معالم الحكمة لكي يستطيع مواجهة مختلف التحديات التي تواجهه،وقد لا يجد الحكمة والنصيحة الصائبة الفعالة الا نادرا،وهنا تتجلى أهمية البحث في كتب التراث وتجارب الأفراد وقيم الشعوب،للتسلح لكل ما يفيد من أخلاق الفضائل،في مواجهة الرذائل،بمعناها الواسع ،الممتد بين الأخلاق والاجتماع والعلاقات.
هنا نحيل القارئ الى أن العنوان الذي جعلناه لهذه السانحة،أي"مداواة النفوس وإصلاح الأخلاق"، هو لفصل من فصول كتاب" الأخلاق والسير في مداواة النفوس"، لصاحبه الإمام الجليل ابو محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم،الشهير بابن حزم الأندلسي،و هو يحيلنا لوجود لذات أو متع كثيرة يغفل عنها العامة،لأنهم لا يعرفون الا اللذات المادية مثل الأكل والشرب والكسب وغيرها،في مقابل فرح العاقل بلذة تمييزه،ولذة العالم بعلمه،ولذة الحكيم بحكمته،وكذلك لذة المجتهد لله عز وجل باجتهاده.
قد نتحدث في هذا المقام عن شهوة المعرفة ومتعة العبادة، وجوهر وجود الانسان يتحقق بالعمل للآخرة، وكل شيء،في هذه الدنيا لفناء،إلا الأعمال لله عز وجل،فعاقبتها السرور عاجلا و أجلا،يقول ابن حزم:"أما العاجل فقلة الهم بما يهتم به الناس،وإنك به معظم من الصديق والعدو، وأما الأجل فالجنة"، ويرى الامام العالم بأن كل الناس تسعى وتنشط وتتحرك في أمور الدنيا لطرد الهم، و إزاحته عن النفوس،كما يقول بأنه بحث عن سبل طرد الهم عند كل أنواع الانسان،الجاهل والعالم،الصالح والطالح،فلم يجدها الا في العمل للأخرة،يقول ناصحا:"لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها، وليس ذلك إلا في ذات الله عز وجل،في دعاء الى الحق،وفي حماية الحريم، وفي دفع هوان لم يوجبه عليك خالقك تعالى،وفي نصر مظلوم،لا مرؤة لمن لا دين له،العاقل لا يرى لنفسه ثمنا الا الجنة".
ونحن في شهر رمضان،زمن وباء كورونا،تصبح كل الأعمال التطوعية والخيرية طريقا للسعادة،وخطوات لإرضاء الله،ومن ثمة نفتح باب ازاحة الهموم الشخصية والجماعية،وقد قدم الجزائريون رسائل الخير والوطنية،بالتضامن والتعاون ومبادرات التعقيم والتكافل الاجتماعي،ومساعدة المحتاجين والمتضررين من كورونا،كما فعلت أفواج الكشافة عبر الوطن ومعها الجمعيات الخيرية العديدة و التجار ورجال الأعمال الشرفاء الوطنيين، ، عكس من أراد استغلال الظرف الصعب للنهب و التكديس و الاحتكار ومحاولة جمع المال على حساب الوجع الوطني، من تجار مجرمين وأشباه رجال المال والاستثمار وعشاق المال الفاسد. 
هنا تتضح ملامح مداوة النفوس،وهي تتحرك بين الفضائل والرذائل،ويبدو أن من أراد كسب المال باحتكار السميد والزيت والكمامات،لم يعرف أن السعادة في منح الابتسامة لشفاه وقلوب الغير ومنح الأمل لمن يعاني في الصمت،معاناة الفقر والمرض والحاجة ،يقول ابن حزم"السعيد من أنست نفسه بالفضائل والطاعات، و نفرت من الرذائل والمعاصي، والشقي من أنست نفسه بالرذائل والمعاصي ونفرت من الفضائل والطاعات،وليس هنا الا صنع الله تعالى وحفظه".
وقد قلنا عديد المرات بأن جائحة كورونا كشفت الوطني والخائن،في الجزائر،و في كل دول العالم،والتاريخ سيسجل المواقف،مواقف من باع ضميره وشوه فعله ومزق روحه بحثا عن نصيب دنيوي زائل، ومواقف من ضحى لأجل شعبه،بخاصة من رجال ونساء القطاع الصحي،او أبناء الجهاز الأمني والحماية المدنية وعمال النظافة...
وأصول الرذائل،حسب ابن حزم،هي في أربعة أمور: العدل،والفهم،والنجدة،والجود،أما الرذائل،فهي تتركب من الجور،والجهل،والجبن،والشح،فانظر اأها القارئ،للواقع الوبائي العالمي، و معاناة الشعوب والدول من كورونا،لترى كيف تتجلى أخلاق الانسان؛بين روح الفضائل او زيف الرذائل،وتأمل معي كيف تتجلى مبادرات النجدة والمساعدة،أو النجدة والتضحية،عند البعض،وكيف تحضر ممارسات سلبية جاهلة،فيها معاني الجبن والخسة والخيانة،لتعرف قوة كلمات ابن حزم،وتعي أهمية وجود الحكمة وقيمها في حياة هذا الزمن الصعب المعقد.
ومن الأمور التي تؤدي لمرض النفوس وسواد القلوب نجد تعاظم الحرص عند الناس،فيدخلون في فعل مجموعة من الأفعال،ومنها السرقة،القتل،الذل، وغيرها ،وتعظم سيئاتهم،وقد يعلمونها او يجهلونها،ومن خفيت عليه عيوب نفسه فقد يظلم نفسه وغيره جهلا، وصار سخيفا وضعيف التمييز وقليل الفهم، ويمكن هنا ان نستعين بابن حزم،متحدثا عن الاستهانة،لنستضيء به لتوجيه الخطاب لمن يستهين بالوباء والبلاء الذي حل بالبشرية كلها، و منها نحن في جزائرنا العزيزة،يقول ابن حزم،"الاستهانة نوع من أنواع الخيانة، الاستهانة بالمتاع دليل الاستهانة برب المتاع،"،نعم هي الحكمة تتحدث، وكيف لا تكون الخيانة،أمام خطر وباء ذهب بالملايين وفاة،وحاصر الملايين مرضا،إنها الخيانة للانسان والأوطان؟!
أخيرا..
لنجعل من عملنا خالصا للخالق البارئ،ولنبادر بإصلاح النفوس وأعطابها،بكل عمل وطني،وبكل فعل يمنح الابتسامة لغيرنا،و لتكن أعمالنا سرية لوجه الله،ولأجل خدمة المجتمع و الوطن،و أتذكر هنا حكمة من حكم ابن عطاء الله السكندري:" استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك".اللهم احفظ الجزائر،ونجها من كل وباء وبلاء.

شوهد المقال 103 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats