الرئيسية | الوطن الجزائري | زهور شنوف ـ الجمعة 55 14 دقيقة من مواجهة "اختطاف" الشرطي حساني.. "لا خوف لا رعب.. الجزائر ملك الشعب"

زهور شنوف ـ الجمعة 55 14 دقيقة من مواجهة "اختطاف" الشرطي حساني.. "لا خوف لا رعب.. الجزائر ملك الشعب"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

زهور شنوف 
 

 

 

كانت الساعة تشير الى 2:55 دقيقة اتصلت بالبروفيسور لوصيف هاتفيا لاسأل عن مكانه هو وبقية الاصدقاء، قال انه على بعد دقائق مني، جلست على عتبة محل بقرب عجوزين متعبين من السير، بساحة اودان أراقب أصدقاء يتناقشون، بينما يصل.. قبالتي وقف الشرطي السابق توفيق حساني، مبتسما في وجه مجموعة من الشباب (لمحت بينهم الصحفي رضوان بوصاق) بوجهه الحزين، يرتدي سروال جينز أزرق وتريكو صوفي أبيض، تحلق حوله مجموعة من الشباب ونشروا علم وطني كبير اخفوا به المشهد عني، وبقيت أنظر إلى الأحذية من الأسفل.. كان حساني يرتدي حذاء أسود.. على الأغلب كانوا يأخذون صورا أو يبثون "لايف" على الفيسبوك، لا أعرف بالتحديد.. كان العلم يحجب الرؤية.. أخرجت هاتفي لمتابعة المظاهرات خارج العاصمة على مواقع التواصل الاجتماعي.. دقائق فقط وتقوم جلبة كبيرة..
3:06
ترتفع الأصوات عاليا "اطلق.. اطلق.. اطلقوه.. خليه.. اطلق"، لا استطيع الرؤية، تراجع أغلب الأشخاص الذين كانوا يقفون في المكان بهلع كبير حتى أحسست أنهم سيسقطون فوقنا أنا والعجوزين.. صعدت مسرعة على العتبة التي نجلس عليها لفهم ما يحدث، فإذا بحوالي خمسة رجال يسحلون الشرطي حساني بعنف، بينما هو يقاوم ورأسه مرفوع بكبرياء نحو السماء، يحاول تخليص كتفه.. يندفع الناس نحوهم لتخليصه منهم.. لكن دون جدوى يسحبونه بقوة وعنف شديدين باتجاه ساحة موريس أودان.. يحاول المواطنون مجددا سحبه نحوهم، يرد أحد الرجال وهو يحمل في يده جهاز راديو ملوحا برجله وذراعه باتجاه المواطنين.. "اجبد.. اجبد.. بعد.. بعد (يصيح)".. يسحلون حساني بقوة.. وتتدخل الشرطة بالزي الرسمي لتشكل حاجزا في طريق المواطنين عند باب المكتبة الجامعية.. لكن الجماهير مصرة "يا الحقارين.. يا الحقارين ".. 
3:08
عمر هذا المشهد الذي لا تشاهده إلا في الأفلام البوليسية الأمريكية التي تبالغ في تصوير توقيف المجرم، لا يتعدى دقيقتين، لكن التوقيف لا يخص مجرما وإنما موظفا حكوميا فهم المعنى الوظيفي والاخلاقي لمهمته الحقيقية.. 
عندما تفقدت هاتفي، وجدت أنني نشرت على صفحتي بالفيسبوك خبر توقيف حساني على الساعة 3:08 (كان عمر المشهد)، لأنني قبل تشغيل اللايف لنقل غضب المتظاهرين فكرت بوضع خبر التوقيف في منشور لنقل ما يحدث.
3:10 
غضب شديد بين الجماهير.. الهتافات عالية رغم أن العدد قليل في ذلك التوقيت بهذا المكان.. "لاخوف لا رعب.. الجزائر ملك الشعب".. "لا خوف لا رعب الجزائر ملك الشعب".. يصيح المتظاهرون.. تتدخل قوات مكافحة الشغب بخوذها ومتاريسها لقطع الطريق على الجماهير، شاحنات الشرطة متوقفة على رصيف المكتبة الجامعية لا تترك إلا ممرا ضيقا تم عبره تمرير الشرطي حساني وأولئك الرجال المشحونين بالعنف الذين اخذوه، ثم اغلق المنفذ مجددا..
ترتفع الأصوات في مواجهة عنف الشرطة في منع الجماهير من التقدم "سلمية.. سلمية.. مطالبنا شرعية".. تتقدم شابة (أربعينية تقريبا) باتجاه رجال الشرطة، مرتدية معطفا أحمر وشعرها ملفوف للخلف، ترتدي كنزة صفراء مثبت عليها بروش أمازيغي من الفضة.. تصيح بصوت مخنوق وعيون مشحونة بالغضب كأنها ستبدأ في البكاء "وعلاه.. وعلاه.. واش دارلكم (ماذا فعل لكم).. رانا ندومونديو حقنا وحقكم (نطالب بحقنا وحقكم).. حرام عليكم.. حراكم عليكم.. حسبي الله ونعمة الوكيل".. 
3:13
غير مبالين يحكم رجال الشرطة الإغلاق بقوة، والمتظاهرون ملحون في المطالبة بالافراج عنه، ويصبون جام غضبهم نحو الشرطة "بوليسية يحبو الميزيرية" (الشرطة يحبون البؤس).. رجل ينطق الحروف بصعوبة يقترب من الحاجز ويصيح في وجه الشرطة وهو يرتجف "خوكم، خوكم.. خوكم هذا يا الحقارين.. اطلقوه" يردد الشباب كلماته بصوت عال ويغلقون بلازمة "الدولة ولاد لحرام.. يسقط النظام".. في الوسط رجل خمسيني يرتدي قميص مخط بالازرق والابيض وعليه جاكيت بيج، يصيح في وسط الطريق ونظارته تكاد تسقط من الغضب "تقول ماهوش عبد.. تقول ماهوش دزيري ياخويا" (يا اخي كانه ليس انسان.. كانه ليس جزائري) يرتجف غاضبا ويكرر العبارة.. يقترب رجال الشرطة أكثر من المتظاهرين لإجبارهم على العودة إلى الخلف دون جدوى ترتفع أصواتهم أكثر وأكثر Libérez حساني"..
3:17
تتقدم نحو الحاجز سيدة خمسينية ترتدي عباءة بلون فاتح وتضع "منديل" أمازيغي، تحمل صورة للشهداء تغطي بها أغلب وجهها، تصيح "يا الحقارين تخطفو الرجال اللي يحاميو ع الدزاير.. ماتوا هذو (مشيرة إلى صورة الشهداء) ومازال كاين الرجال.. الخوباثا يروحو قااااع، يروحو قااااع من بلادنا".. تنطلق حناجر الشباب مرددة "يتنحاااو قاااع.. يتنحاوو قاااع".. 
يقترب من السيدة شاب عشريني يرتدي جاكيت بني اللون ويضع نظارة يحاول حمايتها وهو يردد "سلمية.. سلمية"، لكنه عندما وقف وجها لوجه مع الشرطة أزاح المرأة لكنه فقد السيطرة وبدأ العرق يتصبب على جبينه "مارناش خيفين منكم.. رانا خيفين على بلادنا.. حنا الرجال نقدروهم نديروهم فوق راسنا (يضع يده على رأسه)" ويكرر العبارة مجددا بغضب شديد، يحاول المتظاهرون سحبه دون جدوى.. "رانا هنا ما نروحوش.. ادونا قااع للحبس" (نحن باقون لن نذهب خذونا جميعا للسجون).. تسحبه سيدة أربعينية متحجبة وتحاول تهدئته، يتدخل رجل خمسيني "ياوليدي هذا واش يحوسو اتكالما ما نعطوهالهمش".. لا يتراجع ابدا (يصيح) "خليهم يدوني.. كاين انت (مشيرا اليه) كاين هذا (مشيرا إلى أحد المتظاهرين خلفه).. ما يقدروش يدخلوا ربعين مليون دزيري للحبس"..
الجماهير توافق الشاب بالتصفيق ويرتفع الهتاف مجددا باطلاق سراح توفيق حساني..
لا يسكت الشاب ولا يتراجع للخلف والنساء يحاصرنه خوفا من ان تنفرد به الشرطة وتأخذه، يقترب منه شيخ سبعيني يرتدي قميص أخضر (يشبه الخاص بالفريق الوطني) يثبته من كتفه برفق ويقول له اقرأ (مشيرا الى قميصه) مكتوب على باللون الأبيض 7 _ 8 تحتها كلمة سلطة (إشارة إلى سلطة الشعب في مادتي الدستور 7 و 8) وتحتها مكتوب بخط عريض "مدنية ماشي عسكرية" يضع يده على العبارة الاخيرة ويقول "أحب من أحب وكره من كره"، بصوت أجش، يشبه قليلا صوت المجاهد بورقعة، ويضيف "مارناش خايفين منهم حنا صحاب حق، لكن بالسلمية"، ثم استدار ليري الشاب والجماهير المرابطة بالمكان ما هو مكتوب على ظهر القميص "العصابة تتنحاو قااااااع".. يرتفع التصفيق والهتاف مجددا للمطالبة باطلاق سراح توفيق حساني..
3:20
يرن هاتفي.. لقد نسيت البروفيسور لوصيف، لكنه كان خلفي مباشرة، ضحكت وانا استدير نحوه، قال لي وهو يضحك "كنت عارف بلي راكي هنا"...
انتهت الجمعة 55 من عمر حراك المطالبة بدولة عادلة، بتوقيف صحفيين وطلبة جامعيين (تم اطلاق سراحهم لاحقا)، وأخبار عن تعذيب الشرطي حساني في أحد المراكز الأمنية قبل تحويله إلى مركز للشرطة بوسط العاصمة، ولايف لناشط سياسي يقول انه تعرض للتعذيب وانتهاك الكرامة بأحد المراكز الأمنية بالعاصمة، وهي كلها مؤشرات تؤكد ان استمرار الناس لأكثر من سنة في الشوارع للمطالبة برحيل هذا النظام، هو خيار ومقاومة واعية من أجل إحداث القطيعة مع هذه الممارسات العنيفة والبدائية التي لا تمت بصلة لدولة القانون وكرامة الإنسان.

 

شوهد المقال 651 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

الثمن الباهظ

الثمن الباهظ شباب في سجن وكلاء الاستعمار دولة مدنية ماشي عسكرية جزائر جزائرية حب من حب وكره من كره 
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats