الرئيسية | الوطن الجزائري | زهور شنوف ـ كريم طابو ابن البناء الذي واجه الحائط المائل للنظام..

زهور شنوف ـ كريم طابو ابن البناء الذي واجه الحائط المائل للنظام..

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

زهور شنوف 
 

 

"لم يزدني السجن إلا إيمانا بعدالة قضية شعبي.. ولم تنل زنازين العزل الانفرادي من ارادتي وقناعتي".. مروان البرغوثي/ ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي

 

غدا يُحاكم السياسي الجزائري كريم طابو (1973) بمحكمة سيدي امحمد.. أكثر محكمة جعلتنا نكتشف بشكل ملموس تعدد أوجه القانون وهشاشة المنظومة القضائية، في أول مواجهة حقيقية بين المجتمع والنظام الفاسد، منذ الاستقلال.. بعد 175 ليلة قضاها كريم طابو في عزلة دون وجه حق، طوال شتاء بارد ومظلم.. لا يشبه الا شتاء حكم بوتفليقة الذي ادخل الجزائر في دوامة ظلمة لا تريد ان تنتهي.. 
سيقف طابو غدا أمام القاضي قويا ويعرف مايريد كما كان دائما، أكاد أراه الان يُحاكم النظام المهزوم المُزلزل منذ 22 فيفري 2019، كما قال لي عندما هاتفته بعد حادثة البرج، قال لي "لن يستمر النظام طويلا زلزال الشعب ضربه عميقا، كل ما يفعله مجرد تخبط ومحاولة فاشلة لمقاومة غير مجدية للخلاص.. لكن الخلاص لم يعد ممكنا (سي فيني)".. سيقف غدا كريم كما فعل الاستاذ بومالة قبله بأيام وسيكشف الخروقات والتلاعبات والاعتداءات التي طالت القانون والوحدة الوطنية.. أثق تماما في هذا الرجل الذي اعرفه منذ قرابة عقدين من الزمن، منذ بداية مساره المُبكر في حزب كان عتيدا في المعارضة ويستند على قامة نضال عارمة وأبدية، لكن طابو في بداية عقده الثالث وجد مكانا في مقدمة صفوفه، خاض المعارك دون هوادة، وعندما شعر انه اخفق او تسلل الشك إلى يقينه كان اصغر سياسي جزائري يُشهر الاستقالة في عز المجد (34 سنة).. لكن سي الحسين كان يشتم رائحة الرجال وعرف ان كريم طابو سيكون خسارة حقيقية لحزبه.. رفضها ومنحه ثقة وصلاحيات أكبر.. ثقة لم يخيبها رغم ان كثر يقولون ان تسييره للحزب كان فيه اخفاقات وتجاوزات لكنهم بالمقابل لا يستطيعون جميعا نكران انه أعطى نفسا خارقا للحزب ولروح المعارضة في البلد وحاول إعادة الاعتبار للممارسة السياسية في زمن الضحالة والتقاعس.. لكن ليس سهلا ان تكون شجاعا وفي عين الاعصار في بلد تسيره الأجهزة، وتعتبر مفهوم المؤسسة والاختلاف والوعي، على اي مستوى، تهديدا مباشر لكيانها، وعلى العسس ان التجند للاختراق والمحاصرة سريعا مخافة اي التفاف شعبي أو هبة غير متوقعة، بتكتيك لعبة التفكيك من الداخل التي طالت كل شيء في هذا البلد حتى تهلهل وأصبح الخلاص ولو بالارتماء في عرض البحر خيار أغلبية شبابه!
في ثورة 22 فيفري 2019م استطاع كريم طابو أن يكشف كثيرا من وجه الحقيقة إلى العلن، بعيدا عن أكاذيب الصالونات السياسية الأفاقة، فبينما ارتمى هو في حضن الشعب الجزائري وراهن بكل رصيده في منطقة القبائل ليقول ان الوحدة الوطنية خط أحمر وأن العلم الجزائري هو رصيدنا الاول، فشل الأفافاس بهياكله وقيادته البارزة و"المفكرة" كما كان يُصور لنا في أن يبّرز كقوة سياسية تسند الشعب وتخلق من ديناميكيته لحظة تماهٍ حقيقية.. لقد كان مجرد وجود باهت وضعيف، هذه الحقيقة التي أسقطت اسطورة إلصاق كل ما حدث للحزب بطابو الذي صنع واجهة البطاقة الحمراء مجدادا في وجه النظام متجولا في ولاياته ملتحما بأفراد شعبه، بينما بقيت البطاقة الحمراء مجرد ذكرى من ايام طابو في ذاكرة الحزب الغائب.. 
عندما سجن طابو تذكرت حديثا جمعنا في 2014م عن اسرار وكواليس ما حدث وما يحدث في هذا البلد والعهدة الرابعة، بحضور مناضل حزبه الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي (قيد التاسيس) عزالدين تومي، سألته يومها "هل تعتقد ان ايت أحمد ظلمك؟" اتذكر بوضوح تلك الدمعة التي ملأت محجر عينه ورجفة يده وهو يحاول ان يرد دون جدوى، حاول عزالدين التدخل، لكن كريم قال لي "لا يحق لي حتى التفكير في انه ظلمني، لا أنظر أبدا للامور بهذا الشكل، ولا يمكن النظر اليها هكذا.. لقد وثق بي ومنحني فرصة لا يمنحها للشباب الا رجل كآيت أحمد.. فليس من المنصف ان افكر في الأمر من باب الظلم أو عدمه.. هناك اشياء تحدث لانه جاء الوقت لتحدث فقط".. لم أُلح على طابو كثيرا لفهم ما حدث، فمن مصادر مختلفة عرفت بعض الأشياء، لكن سنوات قليلة بعد تلك اللحظة قامت الثورة، واتضحت أمور كثيرة، فبينما نزل طابو إلى الشارع وقاوم محاولة تفرقة الشعب وردد شعارات شباب الحراك وحمل يافطات مطالبهم التي عوضت الواح "بوطي الحرقة"، بقي من اتهموه بأشياء كثيرة في صالونات الدسائس والعفن السياسي والمصالح الضيقة الذاتية، وبينما جسده معزول في زنزانة القليعة الانفرادية كانت صوره تملأ سماء المظاهرات وشعارات "الله أكبر كريم طابو" تخترق المدى.. سيقف غدا ابن البناء امام القاضي شامخا في وجه جدار النظام المائل ويواجه التاريخ مرفوع الرأس، بينما سينال خدام الصالونات خزي الذاكرة الجماعية بعدما تناولت الأيدي خطاباتهم، يوما ما، ككتاب مقدس.. لكن ان تعزل الزنزانة جسدك أفضل بكثير من أن يعزل التاريخ روحك..
 

 

شوهد المقال 327 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جابر خليفة جابر ـ ثقوبُ عار – أكاليلُ غار قراءة في " ثقوب عارية " للروائي علي الحديثي

جابر خليفة جابر    يُصنفُ هذا العمل ضمن الروايات القصيرة إذ تتكون من 73 صفحة موزعة على 11 مقطعاً. ويتخذُ الحدث فيها مساراً
image

محمد هناد ـ آخر خرجة : «نداء الوطن» !

د. محمد هناد  بعد واقعة تعديل قانون الجنسية، ها هي السلطة تطالعنا بمسعى جديد لن يأتي لها إلا بمزيد من الجفاء. يتعلق الأمر بإنشاء «تحالف» (مع
image

جباب محمد نورالدين ـ هل يضحكون على الشعب هذه المرة ؟

د. جباب محمد نورالدين  لا أعلم إذا كان، هذه المرة، يضحكون على الشعب مثل بقية المرات، فقد قالوا له سابقا يجب ان تقدم التضحيات
image

العربي فرحاتي ـ نخب انتهازية طور التكون ..في مهمات قذرة...

د. العربي فرحاتي  في غياب دولة الحق والقانون والعدالة والحرية ..من الطبيعي أن يكون لكل مرحلة سياسية استبدادية انتهازيوها كحال نظامنا الجزائري..فكان لمرحلة شعار "من الشعب
image

رضوان بوجمعة ـ العقل السياسي وبناء التحول الديمقراطي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 198 يواصل الجزائريون والجزائريات مسيرتهم السلمية من أجل إخراج الجزائر مما هي فيه، المسيرة بدأت منذ أكثر من عامين، وهدفها الأساسي
image

عادل السرحان ـ البراحة

عادل السرحان                في البراحة شجرة يقطين تزحف الى النهر نخلتان لنا وأخرى لجارنا عضتني أمي بأسنانها الجميلة يوم تغيبت عن المدرسة تحت إحداها وكل البلابل التي
image

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي  من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.ولهذا
image

عادل صياد ـ نخب بين " ثورية ، انتهازية ، جبانة "

عادل صياد   في هذه اللحظات التاريخية المفصلية والحاسمة، التي يصنع ملحمتها الشعبُ الجزائريُّ العظيم منذ اندلاع ثورة 22 فيفري 2019، وما تلاها من أحداث ومحطات، تشكّلت
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats