الرئيسية | الوطن الجزائري | نجيب بلحيمر ـ أصداء حوار في القصر.. شكرا سفيان جيلالي

نجيب بلحيمر ـ أصداء حوار في القصر.. شكرا سفيان جيلالي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

لم يكتف رئيس حزب جيل جديد سفيان جيلالي بالحديث عما قاله لعبد المجيد تبون في اللقاء الذي جمعهما بمقر الرئاسة أمس بل قدم لنا الإجابات التي تلقاها على الأسئلة التي طرحها والانشغالات التي عبر عنها، ومن ضمنها ما تعلق بقضيتين حساستين هما قضية المعتقلين، ومطلب فتح وسائل الإعلام أمام الرأي الآخر.
بالنسبة لقضية المعتقلين قال تبون إنه من غير الوارد التدخل في عمل القضاء، وأن المسار القضائي يأخذ مجراه بشكل طبيعي وإن ثبتت براءة هؤلاء المعتقلين فإن حقوقهم ستحفظ، وهذا الرد يختصر رؤية السلطة للوضع بشكل عام وليس لقضية المعتقلين فحسب حيث تنطلق من فكرة الاحتكام إلى ما هو قائم، وينسجم هذا مع فكرة التمسك بالمسار الدستوري التي انتهت إلى تنصيب تبون رئيسا، كما ينسجم مع الرفض القاطع للشروط المسبقة التي وضعتها هيئة الوساطة والحوار وعرضتها على عبد القادر بن صالح في أول لقاء معه بعد تنصيبها مباشرة، وتقوم هذه الرؤية على تجاهل أصل المشكلة وفرض قواعد اللعبة المتمثلة في الاحتكام إلى مشروعية النظام ممثلة بترسانته القانونية والمؤسسات التي صنعها.
التناقض هنا هو أن هذه الرؤية تنكر الأهم وهو أن الجزائريين يواصلون التظاهر من أجل تغيير النظام ( وهذا مطلب يقره الخطاب الرسمي ويعترف به تبون الذي جعل بناء الجمهورية الجديدة عنوانا لمشروعه)، ومن بين المطالب التي تحقق الإجماع استقلالية القضاء التي تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، والحديث عن وجود معتقلي رأي ( هكذا يسميهم سفيان جيلالي) هو في النهاية إقرار باستعمال سياسي للقضاء، ثم إن القضية تزداد تعقيدا عندما ننظر إلى ما حدث يوم 2 جانفي الماضي عندما تم إطلاق سراح 76 معتقلا في يوم واحد ( من ضمنهم من صدرت في حقهم أحكام بالسجن النافذ، ومنهم من لم تتم محاكمتهم بعد) وقد تم تقديم العملية كلها على أنها جزء من إجراءات التهدئة، وهي إجراءات سياسية لا علاقة لها بتطبيق القانون بما يعني أن رد تبون على جيلالي هو في حقيقته تأكيد لرؤية السلطة لميزان القوى، وأنها ماضية في استعمال نفس الأساليب، وفي تجاهل الإشكالية الحقيقية وهي استقلالية القضاء.
هذه الرؤية تحكم الحوار ككل، فالسلطة تستمع إلى الجميع ولديها الإجابات الجاهزة، إجابات لا تختلف في شيء عن تلك التي كنا نسمعها دوما من النظام، فعندما يتعلق الأمر بالحديث عن التغيير تتم الإحالة دوما على الانتخابات مع إنكار واضح لحقيقة أن الانتخابات ليست نزيهة، كما يتم التحجج بإرادة الشعب المعبر عنها دون الالتفات إلى شبهة التزوير الذي من خلاله تصادر هذه الإرادة، وعلى مستوى أعلى يجري التشديد على التمسك بالدستور كما حدث بعد أن انفجر الشارع وطالب بتغيير النظام، واليوم يتم اختزال التغيير في تعديل عميق للدستور كما يقول الخطاب الرسمي مع تجاهل السؤال الأهم وهو : لماذا لا يحترم الدستور حتى بعد تعديله؟ والإجابة على هذا السؤال تفتح حتما النقاش الحقيقي المتعلق بالقواعد غير المكتوبة التي يستند إليها النظام في ممارسة الحكم، وهي قاعدة تلخصها عبارة "القوى غير الدستورية" التي وردت في خطاب السلطة عندما أخرجت الثورة السلمية إلى العلن ما كان خافيا.
المسألة الثانية التي رد عليها تبون هي حرية الإعلام، وهنا قدم وعدا صريحا، حسب ما نقله سفيان جيلالي، بأن وسائل الإعلام ستفتح أمام المعارضة بمجرد طرح مسودة الدستور للنقاش (الإعلام العمومي والخاص)، ويختزل هذا الوعد إصرار السلطة على الإبقاء على الإعلام مغلقا، واللجوء إلى فتحه أمام ما يسمى المعارضة ( ويقصد بها الأحزاب ) والمتدخلين الجادين (هكذا قال سفيان جيلالي)، وباختصار فإن حرية الإعلام يمكن أن تظهر في المواسم الانتخابية، وأثناء فتح النقاشات التي تمثل جزء من أجندة السلطة كما حدث منذ مناقشات إثراء الميثاق الوطني في عهد الحزب الواحد إلى يومنا هذا، فلا وجود لقناعة عميقة بأهمية بناء نظام سياسي مفتوح تلعب فيه وسائل الإعلام الحرة دور السلطة المضادة، ولا مجال للتفكير في الخدمة العمومية في وسائل الإعلام العمومية، وأي ملاحظ نبيه لا يمكن أن يخالطه أي وهم بأن السلطة تفكر في التخلي عن السيطرة الكاملة على الإعلام وتكريسه للدعاية، ويمكن التأمل في التبرير الذي قدمه لحجب بعض المواقع الإخبارية لفهم رؤيته لحرية الإعلام.
تكفي رؤية تبون لمسألتين تشغلان الرأي العام الآن لإدراك مفهوم الحوار لدى السلطة، ومعرفة حدود تحرك عبد المجيد تبون الذي يشغل منصب الرئيس، والطريقة التي سيدار بها هذا الحوار وإلى أي نهاية سيؤول، ولأن سفيان جيلالي قدم لنا تفاصيل الصورة وجب علينا أن نقول له شكرا.

 

شوهد المقال 197 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فيصل الأحمر ـ الحراك و"المابعدية" (أو حديقة الحيوانات الأيديولوجية )

 د. فيصل الأحمر    فجأة ظهرت فصائل كثيرة ناتجة عن الحراك المبارك في الجزائر وكلها تتبنى السابقة المغرية "ما بعد":*مابعد الثوري: وهو مثقف كهل ركب الحراك ثائرا
image

نوري دريس ـ حينما ترى أعين حشماوي أيدي المخابرات الخفية, وتعمى عن رؤية ألاف الشباب في الشوارع

د. نوري دريس  في حوار مع مجلة la Croix, يدافع عالم السياسة الجزائري محمد حشماوي عن اطروحة مفادها ان الاجهزة الامنية( المخابرات) هي
image

وليد عبد الحي ـ العالم الى اين؟ الحاجة للدراسات المستقبلية

 أ.د. وليد عبد الحي  لأن المستقبل يأتي قبل اوانه بفعل تسارع ايقاع التغير ، فان رصد وقياس حركة ومكونات الظواهر وبمنهجية كلانية(Holistic) اضحى احد مسلمات
image

السعدي ناصر الدين ـ الأربعة الذين تحكموا في مصير الجزائر قبل 1988

السعدي ناصر الدين    هــؤلاء الاربعــة كانــوا يتحكمــون في مصيــر الجزائــر قبــل احــداث اكتــوبر 1988.. الشاذلــي بن جديــد قــائد مسيــرة ضيــاع انهــاها بالسقــوط والبكــاء على
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام ..الخوف المرضي .. Macbeth و Shakespeare

د. عبد الجليل بن سليم  بالنبسة ليا مسرحية Macbeth ليست العمل المدهش لشكسبير لكن هي مسرحية على حسب فهمي من الاعمال العظيمة التي
image

مرزاق سعيدي ـ عاشق الأرض.. والنرجس

 مرزاق سعيدي    عاشق الأرض.. والنرجس*!أشعُر بالخوف على الطبيعة كُلّما صادفت في قلب العاصمة الجزائر أشخاصا يبيعون النرجس البري بأثمان ملتهبة، وخوفي لا علاقة له بالسعر
image

رضوان بوجمعة ـ القضاء المعطل.. الشعب المناضل والعدل المؤجل!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 162  هذه هي الثلاثية التي تصل إليها وأنت تحاول تلخيص أكثر من 15ساعة من جلسة محاكمة فضيل بومالة، أمس، بقاعة الجلسات
image

يوسف بوشريم ـ فضيل بومالة ضحية الأمية الإلكترونية

 يوسف بوشريم  من خلال وقائع محاكمة المفكر والمثقف الحر فضيل بومالة والتهم الموجهة إليه و(مصدر الأدلة) الموجودة في الملف أكتشفت أن المتهم الحقيقي من
image

العربي فرحاتي ـ الحراك..وانبعاث الاستئصال إلى الواجهة ...

 د. العربي فرحاتي  لم أقتنع لحظة واحدة ما روجه ويروجه ورثة الكاشير من النوفمبريين الباديسيين من أن الفكر الاستئصالي الدياراسي يكون قد فارق السلطة الحاكمة
image

نجيب بلحيمر ـ أنا فضيل بومالة .. باسم الحرية أحاكمكم

نجيب بلحيمر   ساعة علقت على حائط قاعة الجلسات الثانية بمحكمة الدار البيضاء كانت تشير إلى الساعة 12 و 17 دقيقة.. التوقيت الصحيح كان التاسعة إلا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats