الرئيسية | الوطن الجزائري | سعيد لوصيف ـ لنتحدّث بهدوء هذه المرّة أيضا عن عنف النظام...

سعيد لوصيف ـ لنتحدّث بهدوء هذه المرّة أيضا عن عنف النظام...

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. سعيد لوصيف 

 

« Le malaise est effectivement inlassablement provoqué et subi en Algérie. Des pratiques sociales le prouvent à l’évidence. Elles animent l’ensemble de milieux de vie et tous les niveaux de la hiérarchie sociale. Un moment insidieux, leurs répercussions sont incommensurables. Elles détériorent la vie. Elles abiment le pays. Elles favorisent la fuite des éléments porteurs d’espoir » (Slimane Medhar, 2009 :9).

يعد موضوع العنف من المواضيع التي يجد فيها الباحث الاجتماعي صعوبة في تناولها؛ ويرجع ذلك من جهة، إلى تعدد المعارف العلمية (الفلسفة، السيكولوجيا، التحليل النفسي، علم الاجتماع والانثروبولوجيا... الخ) التي يستدعيها الفهم الموضوعي والشامل لهذه الظاهرة ، و بخاصة إذا ارتبطت بالعلاقات الاجتماعية و علاقة الإنسان بالأنساق الاجتماعية القائمة ؛ ومن جهة ثانية، كون الضحية (موضوع العنف و التعنيف) و الباحث الدارس/المحلّل يقعان في الوقت ذاته، تحت قبضة السياق الاجتماعي الذي ينتج فيه هذا العنف، و يجدا نفسهما في مواجهة عدد من المخاوف و الارتياب و الصعوبات، الأمر الذي يزيد في صعوبة مقاربتها بعيدا عن الذاتيات، مع العلم أنّ الحقيقة ما هي في نهاية المطاف إلاّ خلاصة تقريبية غير مطلقة لمعاش إنساني، نؤسسها على عدد من الملاحظات الاجتماعية و المشاهد المتقطّعة في الزمان.

وفي هذا السياق، فقد اقترح Kaës ضرورة التمييز بين شكلين من اشكال العنف : العنف البنيوي الذي يرتبط مباشرة بالحقل الاجتماعي و السياسي والثقافي، و العنف الظرفي الذي ينتج من سابقه. و يشير العنف البنيوي من الناحية السيكولوجية البحتة إلى ذلك التعبير الذي يظهر في إجراءات الضبط الاجتماعي في علاقة الفرد أو الأفراد بالآخر أو الآخرين. وعليه، يكون من وظيفة المؤسسات الاجتماعية القائمة للدولة احتواء و تقييد هذا العنف. و قد تصبح هذه المؤسسات خطرا على تشكل المواطنة و الكيانات السياسية في المجتمع، عندما تفشل في عملية تقييد واحتواء هذا العنف؛ بل ويكون من نتائج هذا الفشل أنها تصبح هي بالذات المنتجة له بشكل ماديّ (التعنيف) أو رمزي (التخويف والقهر)، أو ما اصطلح عليه Kaës بالعنف الظرفي.

ومن نتائج هذا الفشل أيضا، أن يصبح العنف ممنهجا و آلية تقوم بها مؤسسات بعينها ، هدفها فرض سلطة على المجتمع و الهيمنة عليه قسريا في ظل غياب تام للشرعيات. ومع استمرار أزمة الشرعية، وغياب الخطاب السياسي، يتحوّل العنف و التعنيف الممنهج إلى أن يصبح "الخطاب" الوحيد الذي تنتجه هذه المؤسسات الفاشلة في تواصلها مع المجتمع. فالعنف الظرفي هو إخفاق في تنظيم مؤسسات الدولة – الأمنية على وجه الخصوص – وثقافتها، و تحديد وظائفها في علاقاتها بالمجتمع.

كما يخبرنا هذا الإخفاق، و هذا العنف المنتج بصورة ممنهجة في كثير من الأحيان عن الصورة التي يحملها النظام السياسي عن قيمة الإنسان وحقوقه المدنية والسياسية ومكانته الاجتماعية. و من المنظور التحليلي، فإنّ الحديث عن العنف لا يقتصر فقط على الفعل العنيف في حدّ ذاته، بل إنّ الفهم الصحيح للظاهرة يتطلب توسيع مجال الفهم ويتعلق الأمر هنا دوما إلى غريزة الموت أو بشكل أوسع بمصير الإنسان و مصير العلاقات الإنسانية والاجتماعية في بناء المجتمع الحديث ودولة الحق والعدل والإنسان.

و إذا كانت غريزة الحياة هي غريزة بناء و استوعاب وتفهّم، فإنّ غريزة الموت هي غريزة تهديم و فكّ للعلاقات والروابط. و بالتالي، يتعيّن علينا أن نفهم أن استفحال غريزة الموت في المؤسسات الاجتماعية التي من المفروض أن تأسس لغريزة الحياة، إنّما تترجم هذه الوضعية باتولوجيا في سلوكياتها تجاه الأفراد و المجموعات الذين يقعون خارج بنيتها المادية أو الرمزية ، و تؤشر على وجود تمظهرات سادوية لسلطة سياسية تبحث عن هيمنة مستدامة لمجتمع تعتقد أنّه شيئا خاصا، لا ينافسها فيه احد، يتعيّن عليها تعنيفه وإهانته في حالات رفض الطاعة.

كما يظهر الخضوع، و الإذعان، و الرضوخ المطلق بالنسبة للأنظمة المتسلطة فضيلة ينبغي الحرص على ديمومتها، على عكس التمرّد و العصيان اللذين يعتبران دنيئة ورذيلة (لهذا يتقاطع المداخلة و غلاة الطاعة في طروحاتهم مع الأنظمة المتسلطة في الأنظمة العربية) يتعيّن تعنيفها. و لا يفوتنا في هذا السياق، التأكيد أنّه من الناحية الفلسفية والميتولوجية و الرمزية بشكل خاص ، أن نفهم بأنّ تاريخ الإنسانية بدأ أصلا بفعل تمرّد وعصيان (قصّة وصيّة آدم عليه السلام بعدم الأكل من الشجرة، و قصة إبليس ورفضه السجود لآدم أيضا عليه السلام) ؛ و الدلالة في الصورة الرمزية لهذا العصيان أن تاريخ المجتمعات و الشعوب لا يمكن أن تكتب بفعل خضوع وانصياع ورضوخ وإذعان، وإنّما تكتب بفعل تمرّد وعصيان ؛ أي بمعنى رفض الهيمنات و التأسيس للتحرّر و الانعتاق منها. فرفض الخضوع هو بداية تشكل الكيانات المستقلة و تشكيل حدود التفاعلات الاجتماعية بين الأفراد و المؤسسات.

و بالفعل، تشير نظرية التحليل النفسي، أنّ الرابط الأوديبي المتوازن يحصل نتيجة التفاعل المتوازن داخل الأسرة (الأب و الأم و الطفل)، فالتفاعل المتوازن بين هؤلاء في سيرورة التنشئة الاجتماعية هو الذي يجعل من المعايير و القيم منتجا تفاعليا مشتركا. و بنفس الشكل على مستوى بناء الدولة الحديثة، فإنّ الرابط الأوديبي المتوازن يظهر في التوافق المجتمعي في وضع أسس العيش المشترك و معايير و قواعد وقوانين التعاملات الاجتماعية بين الفاعلين. و في غياب أو في حالة اختلال هذا التوازن، فإنّ من نتائجه المنطقية يكون التسلّط والهيمنة و إلغاء الآخر.

إنّ أفعال التعنيف التي عاشها عدد من الجزائريات و الجزائريين في الغرب الجزائري ، إنّما تسجّل سوسيولوجيا في محاولة الهيمنة على الأفراد عن طريق التعنيف، و هي مرتبطة أصلا بمسالة السلطة و الرغبة في التسلط والنفوذ ( l’emprise ). كما يظهر أنّ مثل هذه العمليات، إنّما هي موجّهة أساسا نحو التحكّم في الأفراد وإعادتهم إلى وضعية الخمول السابقة، أو بالأحرى إعادة إنتاج ظروف وشروط الخضوع و الرضوخ والإذعان التي ثاروا ضدّها ورفضوها، تمرّدوا عنها مطالبين حقّهم المشروع في بناء دولة مدنية. فالعلاقة تظهر إذن كعلاقة سادوية.

و من الأمور التي قد تزيد في خطر احتمال تفكك النسيج الاجتماعي و الروابط الاجتماعية، هو تحوّل العنف الظرفي ، إلى عنف أساسي ( violence fondamentale ) على حدّ تعبير Bergeret ،بمعنى تحوّلا من جهة، يمسّ مباشرة الوظائف الحيوية للتواصل بين الأفراد والجماعات و بينهما وبين المؤسسات الاجتماعية، و من جهة أخرى يمسّ، بشكل أو بآخر هندسة بناء العيش المشترك بين أفراد المجتمع؛ أي أن يصبح العنف بين الفاعلين في الصراع في مستوى (أنا أو هو) ؛ و هو ما بعثت به رمزيا عدد من الشعارات التي تردّدت في المسيرات ( يا حنا يا نتوما )؛ فثائية الرفض المتبادل عنف قاتل و قد تكون له عواقب لا يدركها إلاّ عاقل.

و ما يستدعي للغرابة و ما يؤشّر عن قطيعة رمزية بين النظام والجزائريات والجزائريين، هو كون المجتمع بعد التجارب التاريخية المؤلمة التي واجهها و صدمات عشرية جنون العاطفة، نجده قد فهم جيّدا ونهائيا أن العنف لا يمكن له أن يؤسس لمشروع مجتمعي مهما كان شكله أو محتواه، و لا يمكن له أيضا أن يؤسس لدولة الحق والعدل وحرية الإنسان. و هو الموقف الذي لم ينقطع جميع النشطاء و السياسيين و المواطنين عبر الشبكات التواصل الاجتماعي التأكيد عليه بعبارات "سلمية... سلمية"؛ أي أن وعي ونضج الجزائريات والجزائريين، و معاشهم النفسي الاجتماعي، مكّنهم من تفكيك و استيعاب قدرة سلمية الثورة، في بناء الدولة الحديثة التي يطمحون إليها.

و في المقابل، نجد أن النظام يحاول البقاء في السلطة وإعادة إنتاج نفسه بالقوة وتعنيف مخيال الجزائريات والجزائريين؛ فالتعنيف والعنف الرمزي يستخدمان هنا لفرض استمرارية النظام. و ما عاشه المواطنون في الغرب الجزائري وعبر بعض ولايات الوطن من عنف المؤسسات النظامية هذين اليومين الأخيرين ، إلاّ دليل واضح عن إنكار و هذيان إنكار في حق الجزائريات و الجزائريين في الإعلان عن ميلاد ذوات مستقلة، وميلاد كيانات سياسية، تحمل حطابا رافضا لهيمنة النظام ، و تطالب التحرّر من قبضته وتغييره.

ومهما يكن، فإنّ هذا العنف والتعنيف الممنهج يستوجب على كلّ واحد منا فضحه والتنديد به، لأنّه لا يعبّر فقط عن "حقرة" و شكل من أشكال الهيمنة، و إنّما لأنّه أيضا، يتعارض أخلاقيا وسياسيا مع الحق في الاعتراف بالجزائريات و الجزائريين ككيانات سياسية مستقلة تفلت من قبضة النظام.

 

شوهد المقال 405 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats