الرئيسية | الوطن الجزائري | نجيب بلحيمر ـ في أصل التفاؤل ..هو الشارع الجزائري

نجيب بلحيمر ـ في أصل التفاؤل ..هو الشارع الجزائري

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحمير

 

 

من أين لك بكل هذا التفاؤل؟ سؤال يحاصرني به الأصدقاء في فيسبوك وعلى أرض الواقع، وفي كل مرة كنت أسمع فيها السؤال كنت أضحك من المفارقة التي جعلتني أصبح مثالا للتفاؤل وأنا الذي كنت متهما بالتشاؤم قبل سنوات حتى أن بعضهم غادر صفحتي حفاظا على أمله في غد أفضل، واليوم يعتقد البعض أنني أبيع الوهم أو الأحلام التي لن تتحقق أبدا، وقد صارحني بعضهم بهذا الحكم.
الحقيقة أنني لا أعتبر نفسي متفائلا ولا متشائما، فرياضتي المفضلة هي التأمل في الواقع بشيء من التجرد والموضوعية حتى لا تعظم خيبتي في المستقبل، وأنا متوجس بشكل دائم من الخيبة وأنتظرها عند كل منعطف، ولا يشذ الموقف من الثورة السلمية (وأنا مصر على أنها ثورة رغم اعتراض بعض الأصدقاء الذين يتجاوزونني علما ومعرفة، وبما لا يقارن) عن هذه القاعدة التي تضع العواطف جانبا ما دام ذلك ممكنا، وسأحاول هنا أن أتحدث عن المنابع التي أسقي منها تفاؤلي.
المصدر الرئيس للتفاؤل هو الشارع، ولن أضيف أي جديد لكل من ينزل إلى المسيرات في مختلف مدن الجزائر عندما أقول ذلك، فكل من يشارك في المظاهرات يكون قد اكتشف مدى التصميم على التغيير لدى الشعب الجزائري، وفي هذا الشارع نرى صورة أخرى للجزائري غير تلك التي ننتقدها يوميا، وعندما يحدث هذا التحول في المجتمع فعلينا أن نراجع كل أدوات التحليل والمقاربات التي كنا نستعملها في قراءة واقعنا ورسم صورة مستقبلنا.
التفاؤل ولد يوم 22 فيفري لكنه بقي يكبر مع الوقت، وعندما تنظر إلى أعداد المشاركين في المظاهرات قد تشعر بالإحباط، لكن عندما تراقب نوعية المتظاهرين، ومدى إدراكهم للرهانات، وقراءتهم لتفاصيل المناورات التي تقوم بها السلطة من أجل تمديد عمر النظام، فإنك تنتبه إلى حقيقة مهمة وهي أن الثورة السلمية ساهمت في بلورة قوة سياسية شعبية حقيقية تضع لنفسها هدفا واحدا هو تغيير النظام، وهذه القوة ليست منسجمة إيديولوجيا لكنها أثبتت قدرة مذهلة على التعايش، وهذا في حد ذاته يعتبر مكسبا استراتيجيا سيؤثر بشكل حاسم في بناء الدولة التي ننشدها جميعا.
لم تنزلق الثورة السلمية إلى العنف، ولم تسقط في فخ الانقسامات، رغم الخطاب المضلل الذي يدعي العكس، ولو نزلنا إلى المظاهرات لوجدنا أن كل الإيديولوجيات والانتماءات متعايشة في الشارع وهذا دليل نضج، وهو السبب الأول في استمرارية الثورة بهذا الزخم وهي في شهرها التاسع، وهذا يعني أن الجزائريين نجحوا في تحييد السلاح الوحيد في يد النظام وهو العنف رغم التضييق والاستفزاز، وهذا الإصرار على السلمية يستند إلى وعي كبير بطبيعة النظام وممارساته وأساليبه في إجهاض مطالب التغيير، ويعكس استيعابا كاملا لدورس الماضي وخيباته، ولعل القدرة الكبيرة على تعديل الشعارات لتستجيب للتطورات الجارية، وصياغة المطالب بما يضمن وضوح الرؤية والحفاظ على هدف التغيير، تشير بوضوح إلى أن الجزائريين صاروا قادرين على تفكيك خطاب النظام والرد على مناوراته وخياراته، وليس في هذا الأمر أي تمجيد أو تهويل لقدرة الشارع لأن هذه القدرات تعود في جزء منها إلى عودة النخب التي أقصاها النظام الرديء إلى ممارسة الفعل والتأثير من خلال الفضاءات التي توفرها منصات التواصل الاجتماعي.
في مقابل هذه التحولات العميقة التي تجري في المجتمع، والتي قد تحجبها سلوكات الأفراد في حال التركيز عليها، نجد أنفسنا أمام نظام متحجر وعاجز عن تحقيق هدفه الأساسي وهو إنهاء الثورة السلمية، وإذا أردنا التفصيل فإننا نجد أن السلطة خسرت معركة الإعلام، وخسرت معركة التواصل الاجتماعي، واتضح انها غير قادرة على تحقيق أي نصر لأنها ببساطة تدافع عن نظام يعيش على هامش التاريخ ولا يمكنه أن يستوعب العصر أو يتكيف مع أدواته، ثم إن النظام خسر معركة أهم وهي معركة تجديد واجهته، والمفارقة هنا أن إصراره على الانتخابات بهذه الوجوه هو في الحقيقة إصرار على الانتحار وعلى إثبات حقيقة انه مجرد امتداد لما تدعي السلطة أنها تحاربه، والإجماع الذي تحقق بين الجزائريين، بمن فيهم من يشاركون في المسيرات العفوية ويعملون في هيئات تنظيم الانتخابات، ليس أمرا هينا، بل هو مصدر لتفاؤل يكفي لفترات طويلة.
الذين يشعرون بالإحباط والتشاؤم اليوم كانوا يراهنون على تغيير سريع، وهم بذلك يتجاهلون حقيقة أننا نقوم بعملية اقتلاع لنظام تجذر منذ عقود، ورهن كل مقدرات الأمة من أجل الاستمرار، ثم إنهم ينسون أن عملية الاقتلاع هذه تتم إلى حد الآن بسلمية تامة، وسؤال "ما الذي تحقق منذ 22 فيفري ؟" ينطوي على مغالطة لأنه قائم على رؤية ضيقة، والحقيقة أن 22 فيفري منع النظام من تجديد واجهته، وأرغم السلطة الفعلية على الخروج إلى العلن، وأسقط كثيرا من الأوهام المغلفة بالإيديولوجيا، وأكثر من هذا كله دفع بملايين الجزائريين إلى الانخراط في الشأن العام بداية بقراءة الدستور ووصولا إلى صياغة البدائل مرورا بكل أشكال النضال والمواجهة السلمية في الساحات والميادين الواقعية والافتراضية.
يتشاءم من انخرطوا في الثورة السلمية عندما يرون مؤشرات الذهاب إلى انتخابات بهذه الوجوه التي تمثل بوتفليقة، لكن الحقيقة أن هذه الانتخابات تعلمنا اليوم بأن التغيير الجذري لا يمكن أن يتم من خلال انتخابات ينظمها النظام، وفي مقابل هذا التشاؤم يبدو النظام في حالة ارتباك تام وهو يضطر إلى ممارسات قديمة من أجل فرض اقتراع دون أن تكون له أدنى خطة للتعامل مع ما سيحدث بعد الاقتراع، وهنا يجب أن ننتبه إلى أن 22 فيفري وضعت النظام في مأزق، وهو يريد أن يخرج من مأزقه بالانتخابات التي يرفضها الشعب، والرفض يحول الانتخابات إلى مأزق آخر سواء أجريت أو ألغيت، وهذا يعني أننا نخطئ التحليل عندما نتخذ من 12 ديسمبر كتاريخ يجب أن تبلغ فيه الثورة السلمية أهدافها وتحتفل بنصرها، فهذا التاريخ لا يعنينا، والتظاهر في الشارع يوم 12 وما بعده هو استمرار في تأكيد عدم شرعية النظام بنفس الطريقة التي نفعلها منذ 39 أسبوعا، وإبقاء أزمة الشرعية مفتوحة بعد الانتخابات يمثل ضربة قاضية للنظام.
يعتقد البعض أن الصمت الدولي، على المستوى الرسمي والإعلامي، حيال ما يجري في الجزائر دليل على تواطؤ القوى الكبرى مع النظام ودعمها له، والحقيقة أن القوى الكبرى لا تتحالف مع النظام بل تحرص على مصالحها، وقبل المصالح الاقتصادية هناك مصلحة الاستقرار، والأنظمة التي لا تحظى بأي شرعية ستخسر أي دعم خارجي، وهو ما حدث لأنظمة أخرى وليس للنظام الجزائري أي امتياز بهذا الخصوص، وتفصيل قانون المحروقات الجديد لا يكسر هذه القاعدة رغم القراءات التي بالغت في الحديث عن تأثيره على مواقف الدول الغربية، وفي الملخص فإن الشرعية بيد الشعب وبحرمان النظام منها سيسقطه، كيف يحرمه منها ؟ بمواصلة المظاهرات، واستعمال كل أشكال الاحتجاج السلمي دون الالتفات إلى المواعيد الوهمية التي ربط النظام مصيره بها.
هذا النظام لم يعد متطابقا مع المجتمع، وفي حالة عدم التطابق يجب تغيير أحد الطرفين، هل من الإفراط في التفاؤل القول بأن الذي سيتغير هو النظام ؟ يجب أن أكون مجنونا لكي أجيب بنعم.

 

شوهد المقال 257 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ عبد المجيد تبون.. بورتريه الرئيس الجزائري الجديد .. الذي اصبح رئيسا للجزائر؟

د. رضوان بوجمعة  من هو عبد المجيد تبون؟ هنا استعادة عن "مرشح السلطة الفعلية" الذي "ينفّذ أجندة عصب وشبكات تريد أن تعيد إنتاج المنظومة،
image

نجيب بلحيمر ـ الحوار للتمديد للاستبداد

نجيب بلحيمر   بلغة المنتصر قدم الرئيس المعين عرض حوار مبهم لجهة سماها "الحراك" لا يجرؤ أحد على الحديث باسمها أو ادعاء تمثيلها، المتحدث يحسب نفسه
image

العربي فرحاتي ـ الحراك ..والوعود بالجنات النعيم

د. العربي فرحاتي  الندوة الصحفية للرئيس المنتخب من بعض الجزائريين - في إطار تجديد سلطة الأمر الواقع دستوريا- يبدو أنها كانت فرصة لاستدراك ما
image

سعيد لوصيف ـ لنتحدّث بهدوء هذه المرّة أيضا عن عنف النظام...

د. سعيد لوصيف   « Le malaise est effectivement inlassablement provoqué et subi en Algérie. Des pratiques sociales le prouvent à l’évidence. Elles animent
image

نوري دريس ـ لماذا لا يمكن للحراك ان يكون حزبا سياسيا..؟

د. نوري دريس   الحراك ليس هو انت واصدقائك في صفحة الفيسبوك او تويتر لي تشاركهم نفس الافكار و الايديولوجياالحراك هو موجة ثورية تضم ملايين الجزائريين. 
image

عثمان لحياني ـ في المدرسة والحوار

عثمان لحياني   الحراك مدرسة استوعب فيها الجزائريون دروس استدراك سريعة حول العقيدة السلمية ومكامن القوة وممكنات التغيير ، وجامعة سياسية تدربوا فيها حول الأسئلة
image

العياشي عنصر ـ الدعوة للحوار وكيفية التعامل معها !

 د. العياشي عنصر ان الدعوة التي وجهها السيد عبد المجيد تبون على المباشر للحراك من اجل الحوار في اول تصريح له بعد
image

يسين بوغازي ـ لماذا لا تعترف الأقلية السياسية بأخطائها الاستراتيجية ؟

  يسين بوغازي    لماذا لا تعترف الأقلية السياسية  أنها اقترفت من اخطاء الاستراتيجية في حق  الحراك واشهره  واختياره السياسي  ما
image

العياشي عنصر ـ الدور الحاسم للنخب

د. العياشي عنصر  بمناسبة الوضع الذي وصلت اليه البلاد بعد ثورة سلمية دامت عشرة اشهر كاملة ، اود هنا التذكير بأهمية ودور النخب في
image

المرصد الأورمتوسطي لحقوق الإنسان : الانتخابات ليست عملية صورية ولا ينبغي للسلطات الحاكمة فرض إرادتها على الجزائريين

جنيف- قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنّ إجراء الانتخابات الرئاسية الجزائرية في أجواء غير توافقية، وإعلان نتائجها اليوم، لن يرسّخ العملية الديمقراطية، وسيفضي إلى مزيد من

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats