الرئيسية | الوطن الجزائري | سعيد لوصيف ـ الباديسية – النوفمبرية أو التعلق الباتولوجي بالفكر السحري ...

سعيد لوصيف ـ الباديسية – النوفمبرية أو التعلق الباتولوجي بالفكر السحري ...

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. سعيد لوصيف 

 

« Les émotions, les affects affleurent, transpirent, à la surface du langage, sur ‘‘l’enveloppe sonore du Soi.’’ » R.Gori, 1996.

يهدف النص الحالي إلى تقديم قراءة من بين عدد من القراءات الممكنة، لمقولة و حالة "اجتماعية"، راجت كثيرا في الآونة الأخيرة على شبكات التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص. و حتىّ و إن فبركت هذه المقولة - في غالب الظن - في مخابر مظلمة، إلاّ أنّها وجدت لها صدى لدى بعض النفوس الهشة الباحثة عن انتصارات في ماض سحري فاقد للشرعية.

و في هذا السياق، تشكل إمكانيات التأويل من المنظور التحليلي لمقولة "الباديسية – النوفمبرية" فرصة للبحث والغوص في عمق سياج حياتي و وجودي لأولئك الذين يتوهمون المقولة كحقيقة سيكولوجية واجتماعية، موضوعية تقع خارج توهماتهم.

وللأسف، فإنّ هؤلاء يعيدون إنتاج هذه التوهمات (fantasmes)، و يسقطون ذواتهم ضمن لاشعور يرسم ملامح علاقاتهم الحالية في التعلق الباتولوجي بماض سحري يتشكل أساسا، من الناحية التحليلية، ضمن صورة الأم المغذية وصعوبات الانفصال عنها. وقد وصف (1996 ) Sibony هذه الوضعية بقوله :

« Ce qu'il y a de choquant dans l'idée habituelle de la séparation, choquant, c'est-à-dire très simple, c'est que la difficulté qu'on a à se séparer de quelqu'un, c'est la difficulté qu'on a à le rencontrer. C'est important de se séparer de sa mère parce que ça permet d'avoir une mère. Les gens qui ne se sont pas séparés de la mère, sont dans le deuil infini : de la mère qu'ils n'ont pas, ils n'arrivent pas à se séparer de leur endeuillement, et non pas de leur mère ».

كما يظهر أنّ اللاتماثل و اللاّتناظر في علاقات السلطة بين الأم و ابنها في المجتمع الجزائري، يفسّر إلى حدّ كبير اللاتماثل في علاقات الأفراد فيما بينهم، و بينهم وبين المؤسسات و مواضيع محورية أخرى في التاريخ والسياسة والثقافة وغيرها.

إنّ أنصار هذا النمط من التفكير السحري (الباديسية – النوفمبرية)، إنّما يضعون أنفسهم والآخرين أمام مفارقات تاريخية وفكرية في تناول مفهوم الدولة – الأمة، في أبعاده العالمية، أي من حيث القابلية للتفتح على كلّ المكوّنات التاريخية والدينية والثقافية والسياسية لمجتمع من المجتمعات. وعليه، تظهر مقولة "الباديسية – النوفمبرية" كاختصار تاريخي، وكعنف رمزي يعبّر عن إقصاء مؤدلج للذات الجمعية للمجتمع الجزائري في تنوعه و اختلافاته الطبيعية. و عليه، يتعيّن التذكير في هذا الشأن بأن اغلب المؤرخين والفلاسفة البنائيون يحدّدون ميلاد فكرة الأمة مع نهاية القرن 18 أو بداية القرن 19. وهي مسألة في غاية الأهمية بحيث نجدها ترتبط ارتباطا وثيقا من الناحية الفلسفية بفكرة "الديمقراطية". وبالتالي، يظهر أن تحقق فكرة الأمة مرهون بتحقق فكرة الديمقراطية ؛ فالمسالة هنا هي مسألة فلسفية وسياسية بامتياز، أماّ مقولة "الباديسية – النوفمبرية" فهي تبقى حالة نفسية تؤشر عن تقوقع حول سياج دوغمائي يحجب عن ضحايا هذا التفكير السحري حقائق مزعجة، تشوّش على هدوئهم الذهني المزيف. فالتوهمات كنتييجة للرغبات الاعتيادية البالية واللاشعورية، تصبح عندئذ مبدءا منظما لنشاط "التفكير الجاهز"؛ فالتوهمات تجنّد ، بل تشلّ في مثل هذه الحالات طاقات هؤلاء الأفراد وتمنعهم من الولوج إلى عالم الحقائق المتعدّدة، كنوافذ تساعدهم على تحويل الذات وتحويل علاقاتهم بالآخر المختلف,

والأخطر ما في الأمر، هو انه إذا كان فعل التفكير هو أصلا فعل خلاّق يعتمد أساسا على نزوة عميقة ترتبط بنزوة الحياة في بعدها الفلسفي البسيط أي التعايش مع الآخرين في تناغم مع مبدأ التعدد والاختلاف؛ فإنّ مثل هذه التصنيفات المؤدلجة تجعل من أصحابها أدوات تحريف للرأس المال الاجتماعي، وتصبح عامل تهديم وتحطيم لسيرورة التفكير العقلاني، كما تشكل عنفا رمزيا قويا، للحقائق المجتمعية، و أرضية خصبة لإنتاج أو إعادة إنتاج جنون العاطفة ونزوة الموت و الانتقام من الذات الجمعية.

إنّ مثل هذه الحالات الانغلاق ، إنّما تحيلنا من الناحية التحليلية إلى إشكالية ما قبل – أوديبية في سيرورة تكون شخصية هؤلاء وارتباط توهماتهم بصورة الأم المغذية ، في ظلّ غياب ورفض تام لصورة الأب كسند ومرجعية للأخر المختلف ، الأمر الذي يجعل الفرد ينغلق على الرغبة في استمرار تعلّقه بصورة الأم المغذية ، التي تمنحه تصوّرات جاهزة لا تتطلب منه عناء المخاطرة بمراجعة الذات.

 

شوهد المقال 396 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علي سيف الرعيني ـ الجابري الشاعر اليمني شاعرالارض والانسان

علي سيف الرعيني   الشاعرالجابري هوالأكثرتميزا شنف اذاننا بقصائده بمختلف اللهجات اليمنية نحن نتكلم عن الانسان المغرم بحب الارض والانسان ، لديه كتاب في علم العروض طريقة
image

ناصر جابي ـ هل صحيح أن الجزائر مقبلة على دخول اجتماعي وسياسي مضطرب؟

د. ناصر جابي  هذا ما توقعته مؤسسات دولية مختصة في دراسة الأزمات (كريزيس قروب) crisis group- ووكالة بلمبيرغ التي عادت للاهتمام بالوضع في الجزائر
image

نجيب بلحيمر ـ حديث المؤامرة

نجيب بلحيمر   في الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية على فيسبوك نقرأ بيانا جاء فيه: "أمر اليوم رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الوزير الأول بفتح تحقيق
image

طارق السكري ـ اليمن خارج التعاطف

  طارق السكري  " نحن في نظر الدولة : خارجون على القانون . محل ريبة وعرضة للملاحقة أو النفي أو السبي . أو قبيلة من
image

خديجة الجمعة ـ عالم آخر

خديجة الجمعة   أنا وحدي عالم آخر لاأعرف نفسي، أينما ذهبت. فقد أكون موسيقى تعزف على وتر؛مرهفة الحس. وقد أكون في لحظة ما  تلك الصلبة التي لاتهزها
image

عادل السرحان ـ ماذا أُهديكِ يا بيروت

عادل السرحان                ماذا أهديكِ يابيروت سوى الكلمات ماذا أهديك وقد شُرِعَتْأبواب  الوطنِ  للسراق وللراياتهم ذبحوا كل الثورات هم كسروا كل الناياتْواغتالوا ألقَ الماضي وزهوَ  الحاضرِ والآتْماذا أهديكِ سوى الدمعاتفالدمعُ  كثير في وطني والجُرحُ
image

حميد بوحبيب ـ سيد الحماقات

د. حميد بوحبيب         للطبيعة حماقاتها... غديرٌ يتهادى رقراقا بين السهول ثم يغورُ فجأة في رحم الأرض ولا يعود إلى الظهور !
image

عثمان لحياني ـ موت السياسة في الجزائر

عثمان لحياني  مستوى السلطة السياسية كان أرقى بكثير في العقود السابقة، على الأقل كانت تعتمد نظرية المؤامرة عندما يتعلق باحداث أكثر جسامة ،كانتفاضة كأكتوبر
image

عبد الجليل بن سليم ـ فيروس COVID 19 علاقته مع الأصحاء، قلق الخوف

 د. عبد الجليل بن سليم  الان الكل و دون اسثناء يعرف مادا يفعل الفيروس بالذي أصابه لكن ماذا يفعل الفيروس بابالاضافة إلى العزلة و الحجر
image

مروان الوناس ـ الإشهار وسيلة ابتزاز النظام للصحافة الجزائرية

 مروان الوناس  منذ ربع قرن على الأقل كل المشتغلين في حقل الصحافة والاعلام يعرفون أن الاعلانات الحكومية التي توزعها شركة النشر والاشهار

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats