الرئيسية | الوطن الجزائري | رياض حاوي ـ الإنتخابات أم المأزق

رياض حاوي ـ الإنتخابات أم المأزق

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. رياض حاوي
 

قلة من القوى السياسية كانت تغالب وتعمل كل ما في وسعها لمواجهة البوتفليقية في عز قوتها وسيطرتها على الفضاء العام متحالفة مع بقايا حزب فرنسا.. البوتفليقية كانت تعمل باستمرار على رعاية حزب فرنسا واستمراره في مفاصل الدولة بأشكال مختلفة.. بالرغم من كل الصعوبات سعى الخيرون من أجل بناء البدائل السياسية الممكنة وعندما حان وقت الانتخابات تحركت الإرادات لكسر احتكار حزب فرنسا الذي كان يمثله رأسي الأفعى بوتفليقة في قصر المرادية والجنرال لغديري الذي التف حوله بقايا اللفيف الفرنسي.. 
تلك الأجواء سمحت ببناء جسور التقارب بين مختلف القوى الرسمية المعترف بها أو القوى الناشئة التي تريد ان تساهم في تفكيك ألغام العهد البوتفليقي وتعميق التشاور وفسح المجال للجزائر كي تخرج من عهد التبعية وانهيار المؤسسات ودوس الدستور وحكم العصابات والأشباح.. وتوجت التحركات عندما طرح الأخ أحمد شوشان باسم الجبهة الشعبية لإنهاء الوصاية الفرنسية اسم أحمد بن بيتور أو علي بن فليس للخروج إلى بر الأمان بأقل الخسائر وتفويتا للفرصة على العصبة البوتفليقية.. 
وعندما جاء الحراك المبارك والهبة الشعبية بتاريخ 22 فيفري كثر المشككين في الهبة الشعبية وهناك من اعتبرها مناورة للتوفيق واتباعه لاعادة التموقع في الساحة السياسية والحقيقة أن حركة 22 فيفري كما بينت الأحداث فيما بعد هي نتاج التذمر الشعبي العميق ومن الناحية التقنية هي نتيجة القطيعة بين قيادة الأركان وعصابة بوتفليقة في المرادية التي يقبع مهندسها السعيد في السجن محكوما عليه بتهمة التآمر على الدولة. لولا هذه القطيعة لما كان للحراك ان يتطور بمساره السلمي الآمن وبتاطير قوى الأمن والشرطة وبمباركة مباشرة من قيادة الأركان التي عرفت كيف تدخل عصابة بوتفليقة إلى نفق الانتخابات ثم تغلق عليهم النفق من الجهتين الشعب في الشارع من جهة وقيادة الأركان من الجهة الثانية وكل من أراد الفرار من النفق وجد نفسه في سجن الحراش.. حاول السعيد فرض حاولة الطوارئ ولو وجد الامكانيات لتصدي للمسرات السلمية بالقوة لكنه أدرك متأخرا وبعد دخوله هو وشقيقه نفق الخامسة أن النفق محكم الإغلاق..
القوى الحية ادركت مبكرا أن الرهان الحقيقي في بداية الحراك هو التصدي للخطاب المتهور والساذج الذي يريد أن يحدث قطيعة بين الجيش والهبة الشعبية.. المعنيين الحقيقيين بالتحول في الجزائر هما الشعب والجيش.. إذا حدث صداما بينهما فإن حصيلته ستصب في صالح اللوبي الفرنسي والعصابة البوتفليقية..
عملت القوى السياسية الناضجة على احتواء بوادر الصدام وتم خنق الصوت الداعي لمهاجمة الجيش والصدام معه.. ورفعت الأغلبية الشعبية في مسيرات مليونية عبر الوطن عن قناعة شعار الجيش والشعب خاوة خاوة وأدركت الأغلبية بحسها النقدي وقدرتها على الاستفادة من تجاربها في الصراع مع اللوبي الفرنسي أنها لا تملك سوى صوتها وإرادتها وان تصفية بؤر العصابة وجيوبها لن يتحقق إلا بقوة قادرة على تنفيذ برنامج التطهير السياسي. تغير بسرعة شعار ماكانش الخامسة يا بوتفليقة جيبولنا البياري جيبولنا الصاعقة إلى معانا البياري معانا الصاعقة.. ورفعت آلاف اللافتات عبر الوطن تعكس الحس الحضاري وفهم طبيعة الصراع وموازين القوى.. وكان ذلك ايذانا بمرحلة جديدة لم يكن يحلم بها أكثر الناس تفاؤلا.
انتهت تلك المرحلة بتصفية رؤوس العصابة ومشهد اعتقالهم ثم محاكمة بعضهم فيما بعد وهذا لا يزال مثل فيلم الخيال في تاريخ الجزائر المعاصرة..
للأسف البعض أراد أن يتوقف المشهد عند هذه اللحظة ويفوض السلطة الفعلية مسار التغيير تدبره بالكيفية التي تشاء بدعوى أن لها من المعطيات والمعلومات عن الأفراد والمؤسسات والأحزاب ما يغيب عن غيرها من القوى المدنية..
والبعض الآخر اعتبرها حرب عصب لا علاقة لها بمشروع التغيير.. وهو من كان يعتبر قيادة الأركان مثل الخاتم في أصابع بوتفليقة وأشقائه.. وبدلا من فهم تبعات هذه القطيعة والدفع بها إلى غاياتها القصوى فضل أن يبق سجينا مقاربة التسعينات وكأن شيئا لم يحدث.
دخلت الجزائر المرحلة الأصعب وهي مشاريع التحول الديمقراطي.. كيف نتجاوز هذه العقبة بشكل آمن ودون الدخول في متاهة الصدام أو فسح المجال للعصابة البوتفليقية بالعودة من النافذة بعد أن طردها الشعب من الباب؟
كان هناك مقاربتين اما التفاوض على قواعد العمل السياسي من جديد أو المرور إلى انتخابات رئاسية على أمل أن الرئيس الجديد يباشر الإصلاح الديمقراطي المطلوب في ظل الاستقرار كعمل متدرج.
المقاربة الأولى تبناها البديل الديمقراطي الذي يظل في تقديري جزء من المشروع البوتفليقي وشكل جديد من أشكال تموقع حزب فرنسا..
المقاربة الثانية شكلتها أرضية عين بنيان التي كانت عملا جادا له تمثيل واسع وقدمت خارطة طريق تتأسس على حوار جاد وخطوات واقعية للمرور إلى بر الأمان.
في ذات الوقت طرحت قيادة الأركان ضرورة الدخول في حوار وطني جاد كما طالبت العديد من الكفاءات والشخصيات العامة.
إلى تلك اللحظة كانت الأمور كلها تسير في الاتجاه الصحيح حتى حدث الانقلاب في سلوك السلطة..
تم تجاهل وثيقة عين بنيان وتجاهل كل المبادرات الجادة التي طرحت على تفاوت بينها.. وبدلا من الارتكاز على القوى التمثيلية المجتمعة فضلت السلطة انشاء لجنة كريم يونس بمكوناتها الهجينة..
كان واضحا أن السلطة الفعلية غير مرتاحة للتعامل مع من يملك تمثيلا وقادر على فرض قناعته وفضلت بدلا من ذلك أشكالا من الشخصيات التي لا تملك تمثيلا ولا تحظى بالمصداقية.. فضلا عن بداية تغير سلوك الإدارة في التعامل مع الدينامكية السياسية الجديدة حيث بدأ الغلق والتضييق الإعلامي ومنع تنظيم الانشطة آخرها منع حركة حمس من تنظيم لقاء تواصلي في احدى الولايات.. 
هنا بدأ مسار الحراك الشعبي.. يتمايز عن مسار السلطة الفعلية..
الشعب الجزائري يريد ان يستفيد من اللحظة التاريخية من أجل صناعة مستقبل جديد والدخول إلى مرحلة جديدة من شرعية المؤسسات والتحول الديمقراطي..
السلطة الفعلية تعتبرها مشكلة فراغ في منصب الرئيس وليست مشكلة الشرعية..
الحل بالنسبة للأغلبية الشعبية هو الدخول إلى انتخابات حقيقية بقواعد جديدة تفرز رئيسا منتخبا في ظل النزاهة والشفافية ويعيد الشرعية لمؤسسات الدولة..
والحل بالنسبة للسلطة الفعلية هو تنظيم انتخابات دون العمل على توفير جو صالح للانتخابات.. وكأن هناك تخوف من مشاركة شعبية كبيرة لا تسمح لها بالتحكم في مخرجات العملية الانتخابية ومن يفرزه الصندوق.. خاصة في ظل تعهدها باحترام ارادة الشعب..
وكانت الضربة القاصمة للمسار هي الضغط لتسريع خطوات الذهاب للانتخابات مكررين نفس الممارسات في عهد بوتفليقة.. منها مناقشات شكلية في غرفتي البرلمان.. ورفض تطبيق مخرجات اللجنة ومنها ذهاب حكومة بدوي كحد ادنى لخلق جو ايجابي للانتخابات.. ثم جاء تنزيل مقترحات السلطة المستقلة للانتخابات بشكل يذكر بالممارسات البوتفليقية مرة أخرى.. فالأصداء من الولايات تدل على أن السلطة المستقلة لا تزال في قبضة الإدارة.
هناك من يدس رأسه في التراب معتبرا أن من هو قادر على قلع بوتفليقة يملك من المعطيات ما يؤهله للقيام بكل ما تقتضيه مصلحة الجزائر حتى لا تعود العصابة..
لكن من يتحمل مسؤوليته السياسية لا يمكن أن يزكي ممارسات خطأ يشهد القريب والبعيد على أن الغموض هو سيد الموقف.
تم استدعاء الهيئة الناخبة بشكل مستعجل وكانت ضربة أخرى لمسار إعادة بناء الشرعية على أسس جديدة.. ورفضت جل الكفاءات التقدم إلى الانتخابات مما جعلها انتخابات مفرغة من محتواها.. 
وهذا هو الفشل بعينه..
هل هناك امكانية للخروج من هذا المأزق؟ 
نعم هناك.. 
اذا غيرت السلطة مقاربتها.
السلطة الفعلية يجب أن تفهم أن الدولة الجزائرية تحتاج إلى شرعية حقيقية.. وليس انتخابات شكلية بوجوه من العصابة..
السلطة الفعلية يجب ان تفهم أن الجزائر في حاجة إلى زخم سياسي حقيقي ودينامكية انتخابية فعلية وأجواء نقاش حر ومستقل بعيدا عن الإكراه والاعتقالات الجزافية وليس إلى مجرد عملية تقنية تنتهي برمي ورقة في الصندوق.
تحتاج إلى مشاركة شعبية كبيرة تذكرنا بالمشاركة المصرية بعد ثورة 25 يناير في الانتخابات حيث كانت الطوابير الانتخابية تصل إلى مئات الأمتار قريبا من مراكز الاقتراع.. وكذلك في تونس وفي تركيا وماليزيا وغيرها من الدول التي يشعر المواطن فيها بأنه قادر على التعبير عن رأيه والدفاع عن قناعته عبر صندوق الاقتراع وفي أجواء ديمقراطية تتميز بتكافؤ الفرص.. 
الشعب الجزائري يريد انتخابات بمشاركة شعبية كبيرة جدا تعطي دفعا لمسار التحول الديمقراطي وأملا في الدخول في مرحلة جديدة من التطور الاقتصادي والنمو.. الانتخابات هي خيار الأغلبية الشعبية لكن انتخابات ذات مصداقية انتخابات تعيد الروح للعمل السياسي والتنافس الشريف بين القوى الوطنية في خدمة الجزائر وتقديم البرامج.
على الرغم من استعجال السلطة للذهاب للانتخابات لا تزال القوى الحية تعمل كل ما في وسعها لتدارك ما يمكن تداركه رغم تآكل الآجال القانونية وشعور الخيبة الذي يخيم على المشهد السياسي. زاده مشاركة بعض الوجوه المغضوب عليها من بقايا العصابة.. كذلك حزمة الوعود التي تم إطلاقها ولم يتم تنفيذها منها فتح ملف الخليفة وغيرها من الملفات..
ارتباك هذا الأداء لا يمكن تجاهله.. وفرض إرادة سياسية من طرف واحد لا يمكن أن يشكل مخرجا سليما لمأزق الشرعية..
الكارثة التي تصاحب هذا المشهد السريالي أن البعض لازال يتوهم أن جهة ما قادرة وحدها على ادارة المشهد بكل تداعياته المعقدة دون الحاجة إلى رضى شعبي أو العمل على تحسين مستويات الرضا على الأقل.. بل ان المقاربة تتكرس أكثر باعتبار ان الشعب قاصر في تكرار مقيت لما سمعناه في يوم ما من رموز حزب فرنسا :"الشعب ما يعرفش صلاحو" 
الفكرة نفسها تغير فقط من ينطق بها.. والجيش وحده القادر على اعطا المخرج السياسي المناسب..
لا نرجم بالغيب.. لكن ملامح المأزق بارزة في المشهد..
جمع التوقيعات لن يكون بالعمل اليسير وأي سلوك يذكر بمشهد بوتفليقة والخمسة ملايين توقيع سيكون ضربة قاصمة للمسار ويدق مسمار آخر في نعش الثقة بين الشعب والسلطة الفعلية..
غياب المرشحين الوازنين وانسحاب أحزاب لها وزنها وكلمتها وقراءتها ليس إلا مظهر من مظاهر رفض شعبي واسع لخارطة طريق المسار الحالي والاجراءات المتبعة..
تنظيم الانتخابات برموز وبقايا العصابة ستكون فاجعة وطنية باتم معنى الكلمة..
كيف سيتم تدارك الموقف في ظل المتاهة الراهنة؟
الإعلان عن تأجيل الانتخابات بسبب عدم توفر المترشحين.. وهل اذا تم هذا الخيار سيتغير سلوك السلطة الفعلية..
الخطوة الأولى والأساسية هي عودة الرشد للسلطة الفعلية وفهم طبيعة وحساسية المرحلة.. شخصيا لا افهم التفريط في هذا الزخم التاريخي الذي صنعه حراك 22 فيفري والدينامكية الشعبية من أجل إطلاق مسار سياسي أفضل من المسار الحالي.
إنه الاستعلاء.. انه الشعور بالقوة.. 
والاخطر الوصاية على الشعب..

 

شوهد المقال 294 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

اسلام طبوش ـ الحراك الجزائري من التعتيم الإعلامي إلى الاستهداف ... صمود الحراك يغضب فرنسا و اولادها

اسلام طبوش    قام الحراك الشعبي علي ما عقده بيان ثورة أول نوفمبر 1954 وفق المبادئ الاسلامية عقدته أيضاً ثورة 22 فيفري السلمية...
image

عبد الباقي صلاي ـ ماذا عن رجالات الدولة الأَكْفَاء الذين ظلمتهم العصابة؟!

عبد الباقي صلاي  حملةُ الأيادي النظيفة التي قادها  "أحمد أويحيى"  عندما تَسنّم القرار الأول في الحكومة الجزائرية أواسط التسعينيات من القرن الماضي،والتي على إثرها
image

نجيب بلحيمر ـ سحابة صيف راعدة

نجيب بلحيمر   كما كان متوقعا اكتفت الخارجية الفرنسية بالتذكير بحرية الصحافة للرد على قرار الجزائر استدعاء سفيرها لدى باريس احتجاجا على بث وثائقيين سهرة
image

نجيب بلحيمر ـ النقاش الحرام

نجيب بلحيمر   هل نقد بعض القرارات في ميدان السياسة الخارجية للجزائر والاختلاف حولها يمثل جريمة ؟ في الجزائر يجيب كثير من الناس بنعم، وقد
image

عثمان لحياني ـ فلتان وتلف

 عثمان لحياني  مثلما كانت هناك عملية مأسسة وتبني لخطاب الكراهية المبني على تمزيق الجغرافيا ووضع الحجر في الشقوق ، مثلما يبدو واضحا أنه تم
image

العربي فرحاتي ـ إذا عرف ..من رخص ؟ ..بطل العجب !

د. العربي فرحاتي  لشعورهم بالنقص في شرعية من انتخبوهم..الباديسيون الجدد يكملون ما نقص من شرعية السلطة التي انتخبوها من هجومات الاعلام الفرنسي لسلطتهم ..حيث
image

وليد عبد الحي ـ قرارات ترامب بين النرجسية والمؤسسية

 أ.د.وليد عبد الحي  أزعم ان عملية صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة لم تشهد في تاريخها تنازعا حادا بين " شخصية الرئيس" من
image

العياشي عنصر ـ خبايا "تحقيق فرانس5"

 د. العياشي عنصر  بعد مرور لحظات الصدمة والغصب لابد من التفكير بتأني وبمنهجية حول هذا التحقيق وتحليله وتفكيكه ثم إعادة بنائه حتى يتسنى لنا فهم
image

محمود بلحيمر ـ لولا الحراك لواصل الكثير من الناس التبوّل في سراويلهم كلّما سمعوا اسم السعيد

محمود بلحيمر   بالنسبة لي لا مقال يُنشر في "الواشنطن تايمز" ولا وثائقي يُبث في قناة فرنسية ولا أي عمل إعلامي أو دعائي يُغير من موقفي
image

زهور شنوف ـ معڤال وبوحميدي.. عار "قُبلة الشيخوخة" في الشارع! #الجمعة_67 #الحرية_للمعتقلين

زهور شنوف   في الاسبوع نفسه رأينا اهتماما غريبا بالحراك، على مستويات مختلفة، والحقيقة ان الاهتمام بالحراك لا يغيب ابدا لدى من ينام الجمر في بطونهم،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats