الرئيسية | الوطن الجزائري | نصر الدين قاسم ـ "الإعلام" في الجزائر.. عار السلطة والنخب الآخر

نصر الدين قاسم ـ "الإعلام" في الجزائر.. عار السلطة والنخب الآخر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نصرالدين قاسم

 

 

(هذا مقال كتبته قبل عشرة أيام للجزيرة مباشر، لكنه لم ينشر لأن مسؤول القسم قدر أن "البوصلة متجهة ناحية مصر"
**

 

 



الإعلام لم يكن في الجزائر في أي يوم من الأيام سلطة رابعة ولا حتى الثلث منها. الصحافة الجزائرية هي الوجه الآخر للمأساة التي تعصف بالبلاد منذ الاستقلال.ما انفكت السلطة تستعمل وسائل الإعلام الجزائرية أداة من أدوات ممارسة التعتيم والتضليل للنصب على الجزائريين والاحتيال عليهم. وما انفك رجال المهنة ونساؤها يؤدون أدوارا قذرة في نشر البهتان لتضليل الرأي العام الوطني خدمة للسلطة وخيانة للمهنة واعتداء على شرفها.
الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام هذه الأيام أكثر قذارة من الفساد الذي مارسه نظام الرئيس المخلوع. لقد استجابت كل القنوات الفضائية دون استثناء، والصحف مع استثناءات قليلة، لأوامر قيادة الأركان بمقاطعة الثورة الشعبية والتعتيم عليها والمساهمة في تخوين ناشطيها، وشيطنة مطالبها، مقابل الترويج لطروحات السلطة وترتيباتها، وتلميع القيادة العسكرية والإطراء على قائد الأركان.
• الصحافة والتزام "بيت الطاعة"..
الحراك الشعبي كل جمعة، والحراك الطلابي كل ثلاثاء يستأثران باهتمام القنوات العالمية، واحترام محترفيها ومهنييها، ويحظيان بتغطية واسعة، لكنهما في الجزائر غائبان عن المشهد الإعلامي، تضرب عليهما تلك الوسائل حصارا مطبقا وكأن الأحداث تجري في كوكب آخر. ولا تتحرج تلك الوسائط الإعلامية في تنظيم حملات مركزة للتهجم على الثورة ومطالبها، وبرمجة حصص ونقاشات تحت الطلب لإضعاف حجة الثوار والتأثير في موقف الرأي العام الوطني.
وسائل الإعلام لا تخجل ولا تخشى على سمعتها ومصداقيتها لدى الرأي العام الوطني وحتى الدولي لأنها لا تستمد قوتها وانتشارها من مساحة مقروئيتها أو علاقتها بالقراء، إنما تستمد مشروعيتها وسبب بقائها من السلطة ومدى رضاها عنها.. فالسلطة هي التي توزع الريع الإشهاري على وسائل الإعلام وفق تقييمها وهي التي تمسك بزمام هذه الوسائط، تغلق عليها الموارد لتدفعها إلى العودة إلى بيت الطاعة إن هي شقت عصا الطاعة، أو تتركها تواجه الموت البطيء ابتزازا، أو تقرر تشميعها وإغلاقها إن هي يئست من توبتها أو إذعانها..
• فسحة الحرية والحنين إلى الأغلال 
وليس بوسع وسائل الإعلام أن تقاوم لأنها لا تتحكم في مصيرها، ولأن السلطة تمسكها من اليد التي تؤلمها، ولأنها وهذا هو الأهم لا ترغب في ذلك فقد تعودت على الثراء الفاحش لقاء تقربها من السلطة وإثبات ولائها لها فقط. فحتى عندما حررتها الثورة الشعبية من كل القيود وجرفتها إلى مسار الحرية سايرت الوضع فترة وجيزة ثم سرعان ما استنكفت على أعقابها، فحنت إلى الأغلال، واستجابت للإيعاز..
الإعلام في الجزائر بني على باطل وتزوير كبير، الساحة الإعلامية شكلتها السلطة على المقاس وضبطتها على إيقاعها، ولم يكن تطورها تطورا طبيعيا يعكس حقائق المرحلة أو اهتمامات القراء، وتجهات الرأي العام... في الحقبة الاستعمارية كانت الصحافة الوطنية في مستوى الحركة الوطنية صحافة مقاومة تبغي الحرية بأي ثمن رغم التضييق والغلق الذي كانت تمارسه سلطات الاحتلال.. بعد الاستقلال جنت السلطة على الصحافة ودجنتها وجعلتها صحافة دعائية في خدمة خيارات السلطة الاشتراكية والتعبئة الجماهيرية وفق منظور الحزب الواحد القائم على وحدة التصور والتفكير.
• الانقلاب.. "التطهير" الإعلامي.. وصحافة الجنرالات
الفترة الوحيدة التي تمتع فيها الجزائريون بصحافة حرة وتعددية كانت عقب أحداث الخامس من أكتوبر تشرين الأول 1988، اشتهرت بسنوات الحرية المجنونة، عرفت فيها الصحافة الوطنية حرية تعبير غير مسبوقة وانفتاحا على كل الآراء.. فترة سرعان ما انتهت بانقلاب 11 جانفي كانون الثاني وما تبعه من عمليات قمع للحريات وانتهاك للحقوق وتكميم للأفواه ومصادرة للرأي وغلق للصحف.
عقب الانقلاب عكفت السلطات الانقلابية على تطهير الساحة الإعلامية من كل الأصوات المعارضة للانقلاب، الرافضة لاقتتال الجزائريين فعلّقت نحو عشرة عناوين بقرار إداري لم يكشف عمن اتخذه.. الحادثة عرفت تاريخيا بالمعلقات العشر.. ثم شرعت السلطة في عملية "إعدام" العديد من الصحف، و"القتل" على الهوية الافتتاحية. عملية أسفرت على تغييب كل الآراء المخالفة لتوجهات السلطة الأمنية الاستئصالية، ولم يبق في الساحة إلا ما سمي صحافة الفتنة المحرضة على اقتتال الجزائريين، أو ما كان يطلق عليها صحافة الجنرالات. 
• حقل السمعي البصري وخطة التلغيم 
الرئيس المخلوع حاول أن يرجح الكفة لصالحه مباشرة بعد لجوء السلطة الانقلابية إليه وتسليمه رئاسة الجمهورية في ابريل نيسان 1999، بالترخيص لإصدار صحف جديدة تدين له بالولاء فيما أسمي صحافة الرئيس لمواجهة صحافة الجنرالات، محاولات باءت بالفشل لأن المخلوع كان أكثر استبدادا مع أنصاره من جنرالات الانقلاب مع أتباعهم.. وفي فترة الرئيس المخلوع ظلت السلطة ترفض فتح مجال السمعي البصري للخواص أو "الصحافة المستقلة"، لكن تطورات دولية وظهور قنوات خارج الوطن (رشاد والمغاربية) أزعجت السلطات ودفعتها إلى إعادة التفكير في القضية.
السلطات اهتدت إلى فكرة مخابراتية شيطانية تسمح لها بفتح المجال السمعي البصري والتحكم فيه دون حرج. أوحت إلى وسائطها الإعلامية بالتحايل على القانون بفتح قنوات خاصة تحت غطاء مكاتب محلية لقنوات أجنبية على أن تغض السلطات الطرف عنها ما دامت تنشط في الإطار المحدد لها والهدف الذي أنشئت من أجله. فبادرت عدة صحف على غرار الشروق والنهار في البداية ثم قنوات أخرى بإيداع ملفات إنشاء قنوات موطّنة قانونيا في لندن أو البحرين والأردن، لكنها تنشط عمليا في الجزائر فقط..
• صحافة بلا مهنية و"مهنيون" بلا أخلاقيات المهنة
هذه الصيغة الملتوية تسمح للسلطة بالتحكم في القطاع وكل القنوات بجرة قلم، وتمكنها من غلق أي قناة تحاول أن تخرج عن الإطار أو تحيد عن الخط بحجة أنها قناة غير قانونية، تشمع مقراتها وتصادر أجهزتها، بقرار من الوالي أو مصالح الأمن.. وكان حرص السلطة أن يكون المجال السمعي البصري نسخة طبق الأصل لقطاع الصحافة المكتوبة المتحكم فيه أصلا... لكن مجال المناورة كان أوسع لتظهر بعض الاستثناءات سعت لتقديم إعلام مهني حر مستقل، محاولات كانت لها السلطة بالمرصاد لتغلقها وتشمع مقراتها كما حدث مع قناتي الأطلس والوطن، أو محاصرتها وخنقها ماليا كما حدث مع قناة الخبر.
هذه السياسة التي توختها السلطة في تشكيل الساحة الإعلامية المتناقضة تناقضا كليا مع مساحة المقروئية وتوجهات الرأي العام الوطني، جعلت من الإعلام في الجزائر الوجه الآخر للفساد المستشري في البلاد، أفرز أباطرة للإعلام لا يقلون فسادا عن أولياء نعمتهم من المسؤولين، همهم جمع الثروة على حساب شرف المهنة وأخلاقياتها، وأنتج طينة مائعة من "الصحفيين" اللاهثين وراء الشهرة والمال بأي ثمن، فاستحقوا صفة صحافة العار التي أطلقها عليهم الرأي العام الوطني.
• صحافة العار واستعداء الرأي العام
"الإعلام" اليوم في الجزائر انتهى نهاية مأساوية وقد تحول إلى مجرد بوق من أبواق السلطة غير الشرعية، وأداة من أدوات التشويش على الرأي العام الوطني وتضليله والتعتيم على تطلعاته، ونشر بهتان السلطة الفعلية والترويج لهذيانها.. بفضل هذا الدور المخزي تبوأت الصحافة في الجزائر الرتبة الثانية في قائمة أعداء الثورة الشعبية، واستأثرت بأكبر قدر من هتافات التنديد والاستنكار، وشعارات الإدانة، بعد تلك التي تحظى بها السلطة الفعلية ورموزها..) 

 

شوهد المقال 234 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ قناة المغاربية وحرب النظام الجزائري عليها ... صوت الحرية سينتصر

 د. العربي فرحاتي   طرب الملوثون بالديكتاتورية من الباديسيين والنوفمبريين والذباب الأكاديمي لحجب قناة المغاربية (قناة الشعب) على نايل سات..واعتبروه حدث جلل وانتصار لهم
image

سالم الأصيل ـ راهْنامَج أمجد المحسن

سالم الأصيل هَلْ يحتاج الدليل الى دليل؟ ظني أنّ في التدليل على من كان دليله شِعره تضليل، وتمجيد من كان مجده شعره
image

عثمان لحياني ـ المشكلة في الصندوق أم في الديمقراطية

عثمان لحياني  مشكلة الجزائريين مع النظام لم تكن مرتبطة بالانتخابات فحسب، والا لكانوا انتخبوا في أابريل أو يوليو، لأن تركيز السلطة واصرارها على الانتخابات
image

نجيب بلحيمر ـ عدوى الإنكار تنتقل إلى "المعارضة"

نجيب بلحيمر   بعد جمعة حاشدة، وأحد تاريخي، وثلاثاء أعادت مظاهرات الطلاب إلى أعلى مستويات المشاركة، جاء خطاب رئيس الأركان ثابتا على الخيارات القديمة؛ الانتخابات
image

نوري دريس ـ الحريات الدينية و صناعة الطوائف في سياق تاريخي....

د. نوري دريس   مثلما اقف ضد السلفية و الاحمدية و الشيعية و كل المذاهب الوافدة، انا ايضا ضد صناعة طوائف دينية جديدة  ، ما نعيشه منذ سنوات
image

حميد بوحبيب ـ الشرذمة ترفض رهن البلد :

د. حميد بوحبيب  القفزة النوعية التي حدثت في الحراك الشعبي جديرة بالتأمل :كانت الجماهير من قبل تطالب بحقها في السكن بكل صيغه ، وتغلق الطرقات
image

رضوان بوجمعة ـ إلى أين تتجه الجزائر؟ التوافقات الممكنة لتغيير النظام وإنقاذ الدولة

د. رضوان بوجمعة  هل تتجه الجزائر نحو الوصول الى توافقات سياسية من أجل بناء الدولة وانقاذها؟ أم تسير بمنطق ستينيات القرن الماضي، أي بالإقصاء والعنف
image

مروان لوناس ـ الحراك الجزائري ليس غوغائيا أو شعبويا

 مروان لوناس    البعض لم يبتلع أن يخرج الحراك في جمعته 34 صارخا ورافضا ومنددا بقانون المحروقات..فبدأ التشنيع والهمز واللمز في حق الحراك باسم الشعبوية
image

خالد لنوار ـ الحراك وقانون المحروقات الجزائري الجديد

خالد لنوار   بصفتي إطار في سوناطراك وعامل في مجال العقود والشؤون القانونية "Direction juridique et Contrats - Division Association "،مداخلتي ستكون فيما يخص قوانين المحروقات السابقة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats