الرئيسية | الوطن الجزائري | زهور شنوف ـ "لا شيء حقيقي هنا سوى البناية"

زهور شنوف ـ "لا شيء حقيقي هنا سوى البناية"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

زهور شنوف 

 

 

ظلمة كثيفة في الرواق الطويل للطابق الخامس من بناية كولونيالية محشورة في شارع يعج بباعة العملة الصعبة.. باعة يحملون في أيديهم كل أنواع الأوراق النقدية العالمية التي لا يعرف أحد من أين تأتي ولا كيف تتمتع بكل هذه الحصانة في سوق غير شرعية.. حصانة لا تشبه إلا تلك التي بدأت تسقط منذ فترة على رجال "الدولة" الفاسدين وتكشف عورة الساسة والسياسة..
إنه صباح أحد ثقيل ككل الآحاد.. سماء ملبدة.. سيل ضرب المدينة منذ يومين ودفع بكل الغش المخفي بها إلى الواجهة، لا أحد يعرف الذين أخفوا كل هذا الغش من يكونون بالتحديد، لكن الجميع يعرفهم بشكل ما، بعضهم بات يقبع في سجن الحراش بعدما مر من هنا، من هذا الرواق الطويل الصامت، لكن كانت وجوههم مسودة مطأطئة، لا تشبه الوجوه التي جاءت اليوم وكسرت الظلمة والصمت وثقل صباح الأحد.. كانوا 22 شخصا، لكنهم أحدثوا جلبة ملايين تعرف وجهتها وتصر على أن يبقي رأسها مرفوعا إلى السماء.. في ذاكرتنا الجماعية هذا الرقم من الأشخاص مبارك.. إنه مبارك في كل زمن..
في البداية كان الصمت سيدا في الرواق الطويل والنظرات مختلسة، يجب أن يتأكد الجميع من الجميع ليطمئن.. يمر أصحاب جبب سوداء كثر لا أحد يعرف من هم، يدخل بعضهم إلى القاعة ولا يخرجون بينما يدخل البعض ويخرجون مجددا مسرعين، بعضهم بدأ يلقي التحية وهو يهرول في الرواق.. رجال الأمن بزي رسمي ومدني يتجولون ويزورون الموجودين بنظرة لا تفسر، أو على الأغلب تفسر من باب "متعودة ديما"، بينما ينظر رجل سبعيني بدقة إلى الأشياء ونصف ابتسامة ساخرة على وجهه، تشعر أنها تقول "ماراحش نشوف أكثر ملي شفتو من قبل دزو معاهم"، بينما يحملق شاب يبدو متعبا بعيون ضاحكة في الحضور، يسأله أحد الذين تقاسموا معه الزنزانة ليلة أمس من الطرف الآخر للرواق "أنت بخير؟"، فيهز رأسه مبتسما بالإيجاب، يهمس السائل لشخص يجلس بقربه "ربما يفكر في موعد جرعة الكيماوي، لم يبق سوى أيام على موعدها؟ اليوم 16 وأخبرني أن موعدها يوم 23"، يقطع الحديث وصول محام يعرفه الجميع، ترتفع الأصوات عاليا "يا الحقارين دولة مدنية ماشي عسكرية، يا الحقارين دولة مدنية ماشي عسكرية".. يتلاشى شبه الظلام والصمت الرهيبين من الرواق الطويل بارتداد تلك الأصوات في كل المبنى الواقع - للصدفة - في شارع "عبان رمضان" الرجل الذي أراد للسياسة أن تكون أولوية مطلقة يسبح كل شيء في فلكها، بينما الذي حدث هو العكس، يتدخل رجال الشرطة بسرعة ويفرقون الموقوفين في مظاهرة الجمعة 30 للحراك من الرواق لاسترداد هيبة صمته، لكن صوت "يا الحقارين مدنية ماشي عسكرية" ينتشر مثل هشيم في النار داخل كل البناية، فلا أحد من المتظاهرين يذعن للآوامر ويعود إلى صمته لم يعد ذلك ممكن لقد تحررت الحناجر.
في الغرفة الموجودة في آخر الرواق يواصل قاضي التحقيق استجواباته للموقوفين تباعا في جو مُحتقن، فالمحامون بلا وجهة كل من جاء للدفاع عن أحد الموقوفين يقرر دعم الدفاع عن الجميع، يحاول القاضي القبض على التفاصيل ترقن كاتبة الضبط الشابة الأنيقة بصمت ما يقال، ترفع عينيها بين الحين والآخر لتتفحص وجوه المتحدثين، ترقن أوامر الإيداع بالحبس أيضا، تنظر إلى لوح الكومبيوتر مطأطئة الرأس بهدوء، يعاد استجواب معتقل جديد ترقن الكاتبة من جديد بالكاد ترفع عينيها لتسترق تقاسيم وجه المستجوب.. ترقن.. ترقن.. يقول المستجوب "هذه البلاد لن تشفى مما أصابها، الآن سأدخل سجن الحراش وأجد أويحيى قبالتي، سيقول لي: تستحق هذا الجزاء، ماذا استفدتم من دخولي السجن.. ها أنتم تأتون إلي تباعا".. ترقن الكاتبة الأنيقة ولا تقوى على رفع عيونها، ترقن "هذا ظلم.. حسبي الله ونعم الوكيل.. تمنيت أن ألتقي الآن، الآن، شخصا عاش في زمن الاستعمار ليحدثني عن ظلم المستعمر وأنا أعيش هذا الظلم في بلدي المستقل وأوقع على محضر لأكون في زنزانة واحدة مع الحاقدين عليه لأنني فقط أحبه".. تتوقف الكاتبة عن الرقن فجأة، ترفع عيونها للنظر إلى وجه المتحدث الغاضب، لكن رؤيتها كانت ضبابية، فتدخل في هستيريا بكاء بعدما تحررت من الأحرف التي كانت تقبض على حلقها وتسحبها بعيدا..
يسهم الجميع منصتين إلى صوت شهيق كاتبة الضبط، الذي اخترق صمت الرواق الطويل شبه المظلم.. يقف قاضي التحقيق بعد أن يصرف الجميع، إنه بحاجة إلى جرعة أوكسجين، يفتح النافذة يتحسس جيبه وكأنه يقول "ينعل بو الأوكسيجين" يسحب سجارة وينظر إليها على طريقة "يحيا النيكوتين"، يسحب نفسا طويلا ثم يطارد بعيونه سحابة الدخان المتلاشية باتجاه مدى البحر الأبيض المتوسط المقابل للبناية الشاهدة بوجهيها على قوارب الموت التي ركبها الآلاف من الشباب بهذا البحر لدفن أحلامهم في ملحه بعدما دفعوا ثمنها في سوق العملة الصعبة القابع تحت البناية طوال عشرين سنة من حكم بوتفليقة..

 

شوهد المقال 524 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عادل السرحان ـ شهقةُ الكرملْ

عادل السرحان                ياأبتِ خذ قلبي وامنحني قلبك وإن كان عليلاًسأحيا به ... حتماً سأحيا حبك كالربيع وأنى لزهرةٍ أن تموت حين يغشاها الربيعخذ قلبي الفتي
image

عادل البشراوي ـ قرابين هولاكو

عادل البشراوي عندما جهز جورج بوش الإبن قوات التحالف للحرب على الإرهاب قبل عقد ونيف فاستحل أفغانستان والعراق، كان يقول أن الرب تحدث معه وأمره بذلك
image

عماد بوبكري ـ ما وراء ملف الصحراء الغربية في الحسابات الجيوسياسية الإقليمية و الدولية

عماد بوبكري  أنا من اللذين يعتقدون أن ملف الصحراء الغربية خرج من الحسابات الضيقة و المناواشات الجزائرية المغربية الضيقة ليدخل و بصفة دائمة كقضية مربوطة حتميا
image

سعيد لوصيف ـ التفكير في المجتمع الجزائري المعاصر

د . سعيد لوصيف  يعتبر التفكير في المجتمع الجزائري و ظواهره النفسية الاجتماعية نشاط شيّق و شاق في الوقت ذاته: شيّق لأنّه يسمح للباحث
image

نجيب بلحيمر ـ مرض تبون.. مأزق السلطة وفرصتها

نجيب بلحيمر  حديث "الفراغ" يهيمن على ما يكتب ويقال عن الجزائر. هنا وفي الخارج أيضا، فرنسا تحديدا التي يرانا بعيونها جزء كبير من العالم، تجري المقارنات
image

العربي فرحاتي ـ الساركوزية والماكرونية..والحراك

د. العربي فرحاتي  بدافع التلهية سبق لساركوزي أن أثار قضية الاعتراف بجرائم الاستعمار باعتبارها قضية الشعب الجزائري وهو كلام استهوى الكثير من مثقفينا فأثاروها كما لو
image

نجيب بلحيمر ـ الفراغ.. مرض النظام المزمن

نجيب بلحيمر   “سمعنا دعوات لإلغاء الإستفتاء، فإننا إذا فرضنا جدلا بالتسليم بتلك الحجج وفي إطار وفاق وطني بين الشركاء في الساحة الوطنية بضرورة إلغاء الدستور
image

عادل السرحان ـ جنوبي أنا

عادل السرحان                ومذ ولدتُ رضعتُ حروف المحبّةمن صدر أمّي وأول مانطقت به (حبوبي)تشرق شمسي من سعف النخيل وتغرب خلف خطوط الكهرباءفي الأفق الخجولتعلّمتُ البكاء قبل الولادة وحين خرجت
image

فضيلة معيرش ـ مرآب في بيت أبي

فضيلة معيرشأدمن الصمت على عتبات الماضي دون ما يد حانية تخفف من أعباء شكواه، تزوج منذ أكثر من عشرين سنة وهاهو عبد الباقي يقترب
image

أحمد سليمان العمري ـ سياسات عقيمة ورسومات لا تختلف عنها

أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف«إنّا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر». هل الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لرسول الأمّة حريّة تعبير أم استفزاز صريح لشريحة كبيرة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats