الرئيسية | الوطن الجزائري | ابواسلام منير ـ حتى لا يلقى بن نعوم نفس المصير ولكن بن نعوم لا بواكي له

ابواسلام منير ـ حتى لا يلقى بن نعوم نفس المصير ولكن بن نعوم لا بواكي له

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

ابواسلام منير 

 

 

نصرة المظلوم وفكّ العاني والسعي في حرية الأسير قيم إسلاميّة أصيلة، وواجب شرعيّ متحتّم، وسلوك إنساني راقٍ يوجبه التكافل والتراحم حتى لا يكون قانون القوّة وحده من يحكم علاقات البشر، وحتى لا يشعر المظلوم والضعيف بالقهر فييأس وينعزل عن أداء دوره في مجتمعه، أو يثور ويتمرّد ثم يتطرّف وينتقم، ويجد لنفسه ويجد له المتعاطفون معه عشرات الأسباب والمبررات.
إن الحراك الشعبي في الجزائر الذي أشرقت شمسه يوم 22 فيفري 2019 قد أعاد الأمل لشعب طالما عانى من الظلم والاستبداد والقهر وطالما قاومه وثار عليه وانتفض ضدّه. وإن من أكبر مؤشرات نجاح هذا الحراك الذي أسقط العصابة ويوشك أن يقتلعها من جذورها بكل أذرعها المالية والسياسية والإعلامية والأمنية أن تشرق شمسه على طائفة من أبناء هذا الشعب الحرّ كانت ضحية لظلم وجبروت واستهتار وانتقام هذه العصابة.
يمكنني أن أسترسل فأذكر مئة اسم أو مئتين من هؤلاء المظلومين والمقهورين الذين ما زالوا يئنّون ويعانون لا لسبب سوى أنهم وقفوا في وجه استبداد العصابة وقاوموها ورفضوا تسلطها وطغيانها..ولكنني سوف أتجاوز ذلك وأقتصر على رجل واحد لعله يمثّلهم أو تكون حالته نموذجية تعبّر عنهم جميعا وتحرّك مياها راكدة وتفتح ملفات مغلقة وتكسر طابوهات أريد للشعب ألا يعرف عنها قليلا ولا كثيرا.
عبد الله بن نعوم..ذلك الشاب الكهل، ابن مدينة واد ارهيو بولاية غليزان. بن نعوم المثقف والهادئ والمحاور والمتفهم لمخالفيه هو نفسه بن نعوم المقاوم الثائر المنتفض ضدّ ظالميه.
بن نعوم هو ذلك الرجل الذي لا أذكر ولا أعلم أنه خرج في مسيرة ولا شارك في وقفة ولا أمضى عريضة ولا انخرط في تنظيم سياسي أو حقوقي ولا كتب رسالة أو منشورا ليحقق من وراء ذلك مجدا شخصيا أو مكسبا ماديا أو منصبا في مؤسسات الدولة أو حتى حضورا إعلاميا.
بن نعوم الذي كان عضوا ناشطا وفاعلا في ولايته بعد الانفتاح السياسي عام 1989 بانخراطه في حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ ومشاركته في كل أنشطة الحزب السياسية من مسيرات وتجمعات وحملات انتخابية وعمل اجتماعي و إعلامي هو نفسه بن نعوم الذي رفض انقلاب عصابة الجانفيين على اختيار الشعب واعتبره ظلما وإجحافا وأبى أن يصمت أو يرجع إلى بيته ويؤثر السلامة ويترك العصابة تصول وتجول وتعبث دون مقاومة فحمل السلاح ضدها طيلة سبع سنوات عانى الشعب كلّه خلالها ويلات القهر والقتل والرعب والتهجير والمجازر. سبع سنوات يشهد الجميع فيها لعبد الله بن نعوم أنه لم يسفك دما حراما أو يغتصب مالا أو عرضا محرمين، وهو ما جعله بعد عام 1999 يخوض غمار العمل السياسي والحقوقي واثقا من نفسه دون خشية أن يتهمه أحد بجريمة اقترفها وما كان أكثر أعدائه وخصومه الذين ما كانوا ليسكتوا عن اتهامه لو وجدوا سبيلا إلى ذلك.
كان عبد الله بن نعوم رافضا لبنود ميثاق المصالحة الوطنية ويرى أنها تناقض مفهوم المصالحة وتكرّس اللاعقاب وتغيّب الحقيقة وتطمس آثار الجريمة، وأن المصالحة ليست مجرد إجراءات قانونية جامدة بل فلسفة ومنهجا لإعادة بناء الدولة وترميم المجتمع والإنسان الجزائري. وقد كان لبن نعوم جولات من النقاشات الطويلة والعميقة قبل ذلك مع قيادات الجيش الإسلامي للإنقاذ حول ملف المصالحة وكان مصرّا على إبداء رأيه والاحتفاظ بحقه في الرفض والاعتراض والنقد وأن يكون الأمر شورى لا استبداد فيه ولا صفقات من وراء حجاب.
كان عبد الله بن نعوم قد انخرط في فترة من مساره النضالي بعد عام 2000 في حركة رشاد وكان من بين أسباب انخراطه فيها قناعته بالعمل المنظم في إطار سلمي لا عنفي، وهي فترة قصيرة اختار بعدها ألا يستمر في النضال السياسي من خلالها لأسباب أفضّل ألا أخوض فيها فهو أولى أن يشرحها إذا شاء بعد أن يفك الله أسره ويطلق سراحه.
ثم أسّس مع بعض إخوانه حركة رفض والتي كان اسمها يعبّر عن نفسيته ومنهجه النضالي الرافض لكل أشكال الفساد والظلم والاستبداد، ولأنه أراد أن ينشط سياسيا وحقوقيا ضمن فريق متجانس يكون فيه أكثر تناغما وانسجاما مع قناعاته ومبادئه.
كلّ هذا المسار الطويل والثريّ من النضال لم يكن بلا ضريبة دفعها بن نعوم من حريته وراحته واستقراره. فقد كان يتعرض للاعتقال والتعسف الأمني والملاحقات والترصّد والاستدعاءات التي لا تتوقف أسبوعيا، وأصدرت العدالة التي كانت يومها تأتمر بهاتف توفيق والهامل والسعيد عددا من الأحكام بين الغرامات المالية والسجن المؤقت والسجن مع وقف التنفيذ. وقد رأى بن نعوم من أشكال تعسف وظلم القضاة وأسلاك الأمن ما دفعه لأن يرفع التحدي ويسجل في تخصص الحقوق بالجامعة حتى نال شهادته فيها بتفوق ليحاول بعدها الانخراط في سلك المحاماة لولا أن النضال الميداني كان يستغرق كل وقته ويستنفد كل جهده ولولا أن الفاسدين في الإدارة والقضاء والأمن كانوا لا يتوقفون عن وضع العقبات أمامه حتى لا يكمل مساره كمحامٍ ناجح صاحب رسالة مزعج لعصابات وعصب في غليزان وعلى المستوى الوطني كانت ترى في نشاطه وحركيته وعلاقاته وقناعاته خطرا عليها ونواة لتمرد شعبي وحراك مجتمعي قد يقوّض أركانها.
ومن هذا المنطلق فقد كان عبد الله بن نعوم وإخوانه في رفض وفي غيرها مصرّين على حق الشيخ علي بن حاج في حرية الحركة والتعبير والسفر وممارسة حقوقه السياسية وكانوا يتظاهرون أمام بيته كل جمعة منديين بما يتعرض له، وكان مسلسل اعتقالهم وحجزهم في مقرات أو سيارات الشرطة مشهدا مألوفا لدى كل المهتمين والمتابعين للشأن العام قبل الحراك.
كما كانت وقفاته وشعاراته ولافتاته في وقفات عائلات وأمهات المفقودين والمختطفين حاضرة بقوة وبوعي، كان يراها قضية جوهرية تختصر كل المأساة ولا تسقط بالتقادم لا إنسانيا ولا قانونيا ولا سياسيا.
عبد الله بن نعوم إنسانيا متزوّج وأب لأولاد وبنات رائعين، وابن لأم لم تشبع من ولدها ولم يهنأ خاطرها برؤيته حرأ مكرّما عزيزا في وطنه، وصورة هذه الأم الملهوفة على ولدها أمام المحاكم ومقرات الشرطة وصورتها وهي تتنقل بين السجون من ولاية لأخرى وتنتظر أن تدخل عليه في زيارة تحت حرّ الشمس صورة معبّرة ومؤثّرة حقّا تثير الحزن بنفس القدر الذي تثير فيه الصبر والمثابرة والإصرار ..كان الله في عونها.
بن نعوم كان يشتغل في سيارة فرود (كلانديستان) ويقتات مما تدرّه عليه تلك السيارة القديمة ويقتسم مع إخوانه من غلّتها تكاليف السفر والمبيت والأكل أثناء أسفارهم وتنقلاتهم.
بن نعوم مريض بالقلب أجرى عملية قلب مفتوح، ولم يقدّر له أن يشفى منها فقد كان يُسحل ويضرب ويُعنّف وهو مريض ولا تراعى حالته الصحية ولا يعرض على طبيب.
وهو الآن في السجن منذ 20 مارس 2018..بعد أن حوكم قبلها 17 مرة بتهمة التحريض والتجمهر واتهام شخصيات وإطارات أمنية بالقتل والأمر بالقتل. وتهمته التي حُكم عليه من أجلها بسنتين سجنا نافذا هي النبش في جراح المأساة الوطنية و الإصرار على إحياء ملفات خطيرة أراد قانون المصالحة أن يدفنها إلى الأبد بينما كان بن نعوم يرى أن ذلك ظلم للضحايا وتزييف للتاريخ وطمس للحقيقة وتواطؤ على تبرئة القتلة والمجرمين.
عبد الله بن نعوم أضرب أكثر من مرة عن الطعام احتجاجا على طريقة معاملته وعلى حرمانه من حقوقه وعلى الحكم الصادر ضدّه. وهو منذ 80 يوما في إضراب عن الطعام بلغ به مرحلة متقدمة من الضعف والوهن أصبح مهددا لحياته وهو داخل السجن في غياب أي معلومات مؤكدة رسمية عن حالته الصحية و عدم إجراء أي استقصاء صحفي عنه وفي ظل الصمت الغريب والمريب من طرف منظمات وروابط حقوق الإنسان التي أصبحت تدخلاتها انتقائية وفي أحسن الأحوال محتشمة وغير مجدية في حالات مثل حال عبد الله بن نعوم.
ما كان يطالب به بن نعوم ويناضل من أجله هو نفسه وفي كل تفاصيله ما خرج من أجله الشعب الجزائري في حراكه يوم 22 فيفري. أفلا يحقّ له وللعشرات ممن يقبعون في السجون كضحايا لقضاء فاسد غير نزيه ولا مستقل ولمنظومة من الفساد والاستبداد عانى منها الشعب كلّه والنخب المناضلة الواعية الحية خاصّة أن يسترجعوا حقوقهم وينعموا بالحرية ويُردّ لهم الاعتبار بل ويُعتذر لهم ؟
إن المطالبة بإطلاق سراح بن نعوم هو واجب شرعي وقانوني وإنساني. وإن الحقوقيين والحراك الشعبي والسياسيين والإعلاميين مطالبون أن يكون صوتهم مرتفعا قويا من أجل أن تنتهي هذه التصرفات المتعسفة الظالمة التي تجاوزناها بعد الحراك والتي أصبح واحدا من أكبر مطالبه حرية واستقلالية ونزاهة القضاء وتصحيح أو إلغاء أحكامه السابقة الجائرة التي لم تكن تخدم إلا العصابة.
هذا هو عبد الله بن نعوم. ولم يكن هذا المقال سيرة ذاتية له، ولا مرافعة قانونية عنه، وإنما كان قياما ببعض حقه وتذكيرا بحالته الصحية التي نأمل ألا يصاحبها الإهمال واللامبالاة لتتطور إلى ما لا يُحمد عقباه، وتحفيزا للمحامين والحقوقيين والإعلاميين أن يلتفتوا إليه ويحركوا ملفّه وينتشلوه من غياهب النسيان.
وأخيرا فإن عبد الله بن نعوم ليس شخصا وحالة بقدر ما هو نموذج . فيمكنك أن تضع أي اسم من أسماء ما يقارب 200 سجين سياسي وتغيّر فقط بعض التواريخ لتتأكد أن الأمر لا يختلف بينه وبينهم. وأن عبد الله بن نعوم هو نفسه جمال العسكري ابن المجاهد بن عودة بوقلاز وهو نفسه الطبيب المثقف السايح العيد اللذان يقبعان في السجن منذ أزيد 25 عاما ..وأنه هو نفسه عشرات ممن ماتوا أو فقدوا عقولهم أو أصابهم الشلل والأمراض المزمنة داخل السجون دون أن يرتفع صوت حقوقي ولا يصدر بيان تنديد ولا يٌكتب مقال يتحدث عنهم ويقوم بواجب النصرة ويرفع عنهم الحيف والنسيان ويعرّف بهم أجيالا نشأت لا تعرف عنهم شيئا.
ولعلّ في هذا المقال في جريدة الحوار الموقرة ما يفي ببعض ذلك. ولعله يحرك مياها راكدة. وما أزعم أنني أحطت بالموضوع من جميع جوانبه ولم يكن ذلك قصدي ابتداء.
فهل من مجيب ؟

 

شوهد المقال 332 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

البرهان حيدر في ديوانه " إلى إمراة ما " قصيدة النوم بين ذراعيك

البرهان حيدر      حين أنام بين ذراعيكِ، أنسى الألم من حولي … أشعرُ أني فراشةٌ تمتصُ رحيق العالم من ثغرك النابضُ كزهرةِ رمَّان في المساء.
image

فوزي سعد الله ـ باب الدِّيوَانَة...باب السَّرْدِينْ...باب الترسانة...

فوزي سعد الله   خلال العهد العثماني، كانت هذه الباب التي تُعرف بباب الدِّيوانة، اي الجمارك، وايضًا باب السَّرْدِينْ لوظيفتها المرتبطة بنشاط الصيادين، بابًا
image

وليد عبد الحي ـ العُوار في تحليل الاستراتيجية الامريكية في الشرق الاوسط

 أ.د. وليد عبد الحي  يبدو لي ان محاولات التنبؤ بالسلوك الامريكي في منطقتنا تعتورها إشكالية منهجية تتمثل في محاولة تفسير السياسة
image

أزراج عمر ـ قصتي مع مخابرات نظام الشاذلي بن جديد

 أزراج عمر   أنشر هنا لأول مرة وثائق المتابعات العسكرية والمخابراتية والأمنية ضدي في عام 1983م بسبب قصيدتي " أيها
image

نصر الدين قاسم ـ "الإعلام" في الجزائر.. عار السلطة والنخب الآخر

نصرالدين قاسم  (هذا مقال كتبته قبل عشرة أيام للجزيرة مباشر، لكنه لم ينشر لأن مسؤول القسم قدر أن "البوصلة متجهة ناحية مصر"**  الإعلام لم يكن في الجزائر
image

رضوان بوجمعة ـ الجزائر الجديدة 109 سياسيو التعيين في جزائر التمكين

 د. رضوان بوجمعة    نجحت الأمة الجزائرية في جمعتها ال31 اليوم، في أن تحاصر الحصار الذي فرض على العاصمة بتعليمات رسمية أقل ما يقال عنها
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجزائر31 مظاهرات لحقن الدماء ..

د. العربي فرحاتي  كم هو مؤلم أن تتعاطى السلطة الفعلية مع الحراك الشعبي السلمي بمنطق (الاعداد) فتجتهد ولو بخرق القوانين والدستور إلى إجراءات تخفيظ
image

محمد هناد ـ الحل لن يأتي من العسكر

د. محمد هناد    السيد أحمد ڤايد صالح، لا يمكنكم – وليس من صلاحياتكم على أية حال – حل الأزمة السياسية الحالية بصورة منفردة. يكفيكم أن
image

محمد هناد ـ لا لانتخابات رئاسية مفروضة !

د. محمد هناد  أيها السادة أعضاء القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي :   القرار الذي اتخذتموه بصورة متسرعة وانفرادية بشأن إجراء انتخابات رئاسية قبل نهاية السنة الجارية
image

حميد بوحبيب ـ مشاهدات من قلب العاصمة الجزائر La bataille d'Alger act 2

 د.حميد بوحبيب  بعد خطاب استفزازي مسعور وتهديد بتوقيف كل من يشتبه فيه أنه من خارج العاصمة .بعد استنفار قوات القمع ومضاعفة الحواجز الأمنية واعتقال عشرات المواطنين

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats