الرئيسية | الوطن الجزائري | نوري ادريس ـ الشعبوية وديناميكة بناء دولة القانون

نوري ادريس ـ الشعبوية وديناميكة بناء دولة القانون

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.نوري ادريس

 

 

وصف حزب الشعب/ حركة انتصار الحريات الديمقراطية PPA/MTLD بالشعبويين Populistes لا يعتبر شتما لهم. 
الشعبوية ليست دائما أيديولوجية سلبية. 
في حالة وجود تهديد من طرف عدو خارجي، فإن الشعبوية هي الأيديولوحية السياسية الأكثر ملائمة لرص الصفوف وتوحيد الشعب ضد العدوان الخارجي. 
تقوم الشعبوية على تصور يؤسطر الشعب، ويصوره ككتلة واحدة لا تتخللها خلافات سياسية و لا اختلافات ثقافية، عرقية، لغوية، دينية...
الشعبوية أصلا ظهرت في سياق محاربة النظام الاستعماري الذي كان يقوم على سياسة فرق تسد. 
و هي رد فعل على فشل النظال السياسي التعددي الذي كان سائدا في فترة ما قبل الحربين. السياسة تحتاج الى فضاء سياسي، و في سياق الاستعمار، ليس هنالك اصلا فضاء سياسي لممارسة السياسة، لان الجزائريين لم تكن لديهم حقوق المواطنة، و لم تكن لديهم دولة أصلا. 
اعتقد فرحات عباس ان الدولة هي هيكل سياسي مجرد،غير مرتبط بالثقافة والهوية..و بالتالي، يكفي اصلاح منظومة القوانين الاستثانئية التي تتعامل بها فرنسا مع الجزائريين، حتى تعود الامور الى حالتها الطبيعية. ربما لم يكن فرحات عباس ينظر الى فرنسا أنها دولة لأمة فرنسية. بل ينظر اليها على انها دولة مجردة يمكن ان تسمح بانضمام شعوب اخرى غير فرنسية إليها. كانت خيبته كبيرة بعد بلوم فيولت، ثم بعد ماي 1945. 
كان ابن باديس يقول للجزائريين انتم مسلمون مختلفون عن الفرنسيين، و كان فرحات عباس يطلب من فرنسا ان تعترف للجزائريين المسلمين المختلفين بحقوق المواطنة و المساواة...
و حينما ترفض فرنسا، هذه المطالب، فإن حزب الشعب سيكون هو الملجأ لهؤلاء الجزائررين الذين يقول لهم ابن باديس انتم مختلفون، و يقول لهم فرخات عباس يجب ان تكونو مواطنين و ليس انديجان، سيكون حزب الشعب هو ملجأهم لانه يقول له اذا يجب عليكم ان تدمرو هذا النظام الاستعماري لنبني دولة نكون قيها مواطنون سياسيا بالحفاظ على هويتنا الثقافية..
هذه هي الديناميكة الثورية التي انتجتها التيارات الثلاث للحركة الوطنية: الاصلاحيون، الثقافيون، الشعبويون. حزب الشعب( PPA/ MTLD) = حقوق ثقافية هوياتية( جمعية العلماء)+ حقوق سياسية مواطناتية( UDMA).

 

 

تعود شعبية حزب الشعب، لكونه الأكثر تعبيرا عن العناصر التي تجمع الجزائريين في سياق الهبمنة الاستعمارية. في البداية كان حزبا علمانيا يساريا تشكل في المهجر في اوساط المهاجرين وبدعم من الحزب الشيوعي الفرنسي
بانتقال مقره للجزائر، غير من مفرداته السياسية تدريجيا، وكانت خيبة بلوم فيولت 1937، منعرجا في بداية تحوله من حركة علمانية الى حركة شعبية تصبغ خطابها بمفردات دينية لتقترب من الجماهير ذات الثقافة الدينية الإسلامية..

 

لا يجب تقدير إسهام جمعية العلماء في الحركة الوطنية من خلال الموقف الظرفي والسياسي لقادتها، بل يجب تقديره من خلال مخرجات مجهودها التعليمي الديني ، الذي ساهم في تخصيب الأرضية السياسية والأيديولوحية لحزب الشعب.

جمعية العلماء كانت الأقرب أيديولوجيا الى حزب الشعب، و اذا كانت هي ساهمت في تخصيب أرضيته الجماهيرية، فإن فرحات عباس مد الحركة الوطنية بالثقافة السياسية الحديثة،

الشعبوية هي فضيلة سياسية في سياق الاستعمار، ساهمت في تجنيد الجزائريين داخل تنظيم سياسي وعسكري واحد: جبهة التحرير وجيش التحرير( FLN/ ALN). و نجحت في تحقيق اهدافها التاريخية: توحيد الجزائريين من أجل استعادة الاستقلال.

 

نظريا، انتهت مهمة الشعبوية، المجسدة سياسيا في جبهة التحرير الوطني، في سنة 1962، 
ولكن، النخب الثورية، استعملت نفس الايديولوجية لغلق المجال السياسي، ونفي الحاجة الى التعددية، والمؤسسات الحديثة. مادامت الشعبوية نجحت في استعادة الجزائر، فلماذا لا نستمر في العمل بها لبناء الجزائر المستقلة؟؟؟ لم يكن هنالك وعي لدى هذه النخب بالفرق بين تحطيم النظام الاستعماري و بين بناء دولة. 
في سنة 1962، لم نبني دولة، بل انتهينا من تدمير النظام الاستعماري. ادوات تدميره هي الثورة المسلحة التي احتاجت الى توحد الجزائريين ظرفيا و تجاوز خلافاتهم و اختلافاتهم.. 
عملية بناء الئولة ستنطلق في سنة 1962. و المشكلة انها انطلقت بالايديولوجية الشعبوية المناقضة تماما للاسس الفلسفية و السياسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة الناتجة عن النظام الوستفالي.

 

 

حينما يصر ميثاق طرابلس على الحديث عن الجزائريين ككتلة واحدة، فهذا يعني نفيه للحاجة الى تعددية حزبية، واصراره على ان الحزب الواحد والمنظمة الواحدة والنقابة الواحدة تكفي لتمثيل كل الجزائريين. 
وكل من يقع خارج هذه المنظمات الجماهيرية فهو يمثل تهديدا للوحدة الوطنية، وعدوا محتملا يمكن أن يضعف وحدة صف الجزائريين و بهدم مصالح العدو الخرحي... يجب التخلص منه لأنه عدو محتمل ، و ليس خصما سياسيا....السباسة بين الجزائريين و أعدائهم، و الدولة هي وحدها من يتولى هذه المهمة...اما الجزائريبن في ما بينهم، فلا مكان للسياسة بينهم...

 

 

الشعبوية بعد ان تنتهي من انجاز مهتها التاريخية ( تدمير النظام الاستعماري) تتحول الى عائق أمام بناء دولة القانون. 
تقوم دولة القانون على الاعتراف بالتناقضات والخلافات والاختلافات الأيديولوحية، السياسية، الاقتصادية، الثقافية...في المجتمع، وتمنح مؤسسات واحزاب و نقابات وجمعيات قانونية للتعبير سلميا عن هذه الاختلافات. في حين أن الشعبوية تقوم على مبدأ السعب الواحد، الثقافة الواحدة، الحزب الواحد...و بالتالي تنفي للمجتمع حقه في السياسة. 
دولة القانون تقوم على المجتمع المليئ بالتناقضات، والشعبوية تقوم على الشعب الواحد، الذي يتشكل من أخوة واخوات، يمثلهم الزعيم الواحد، الحزب الواحد، النقابة الواحدة....
اذا كان المجتمع الجرائري انتهت به أول تجربة تعددية الى العنف، فذلك سببه شعبوية جبهة التحرير منذ الاستقلال. شعبوية أغلقت المجال السياسي، ولم يكن هنالك من مساحة غير مراقبة الا المسجد. في المسجد، تم إعادة انتاج نفس الخطاب الشعبوي الثوري، ولكن بمفردات دينية. انتقلت الشعبوية من أحضان السلطة، اي من قسمات جبهات التحرير الوطني الى المساجد التي تسيطر عليها الحركة الاسلامية الصاعدة في سياق دولي ما بعد هزيمة 1967.

 

تقوم السياسة على التحزب والانقسام والاعتراف بالخصم، ويقوم الدين على الدعوة والتوحيد و وتديين الخلاف السياسي. هنا فشل المشروع التحديثي لبومدين والنخب التي اشتغل معها. بدل ان يكون كانطيا( نسبة الى كانط)، سجنته الثقافة و الانتربولوحية السياسية في هيغل: ليس هنالك خير إلا في الدولة، و يجب عل الدولة ان تراقب كل الفضاءات المجتمعية..بل يجب ان تكون هي المجتمع.

 

تجربة أول انتخابات تعددية في التسعينات حدثت على خلفية أيديولوحية وثقافية شعبوية. بين شعبوية ثورية تاريخية، وبين شعبوية دينية راديكالية. 
ساهم انحراف هذه التجربة نحو العنف في تعزيز ثقة النخب العسكرية في ثقافتها السياسية: مالم نراقب المجتمع ونؤطره ونرافقه، فإنه قد يدمر الدولة. وبما أنه كان من غير الممكن التراجع عن اقرار التعددية في الدستور، فقد لجأت القيادة العسكرية الى استخدام جهاز الاستعلام والأمن لمراقبة وتوجيه عمل الاحزاب والصحف والنقابات والجمعيات،.. لا ثقة الا في الدولة، او في من صنعته الدولة، أو في من تراقبه الدولة عن كثب...و الدولة هي النظام الحاكم الذي يختل الحيش مركزه، و البيروقراطية تشكل أطرافه..

 

 

البقية، يمكن ان يشكلوا تهديدا للدولة في أية لحظة، ليس لأنهم خونة، بل لأنهم لا يتصرفون دون مرافقة وتوجيه وحماية الدولة...
هذه الثقافة السياسية الموروثة عن الحركة الوطنية، أدت في نهاية المطاف الى تحول الدولة الى ملكية خاصة لأعوانها، وللمتحكمين فيها، وانقطعت تماما عن المجتمع. انها نتيجة طبيعية لأية سلطة مطلقة غير مراقبة، وغير مقيدة.

 

اليوم، يجب قلب هذه الثقافة السياسية رأسا على عقب. يحب على كانط ان يحل مكان هيغل. المجتمع هو الذي يجب ان يخضع الدولة للرقابة كي لا تنحرف نحو الفساد والتسلط والتسوفيج. المجتمع هو الذي يجب ان يقيد سلطة الدولة و ليس الدولة هي من يقيد الحريات العامة و الفودية للمجتمع..

نحن اليوم نعيش لحظة وعي المجتمع بضرورة مراقبة دولته بدل الخضوع الشعب

المؤسسة العسكرية تندرج ثقافتها السياسية ضمن امتدادات وافرازات فشل أول تجربة تعددية.

شوهد المقال 93 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ جمعة الوحدة الوطنية ضد المغامرين من مستشاري الريع و العنصرية.

د.رضوان بوجمعة   عشت مسيرة اليوم في الجزائر العاصمة، و لم اعش في حياتي ما عشته من صور الاخوة و التضامن بين الجزائريين والجزائريات، من ساحة
image

فتيحة بوروينة ـالتلغيم الهوياتي ومشاكل القايد صالح !!

 فتيحة بوروينة  مقالي الممنوع من النشر غدا بيومية #الحياة .. الرقيب قرّر ذلك !! التلغيم الهوياتي ومشاكل #القايد!! الحوار الذي يدعو إليه مجددا
image

نوري دريس ـ الأيام الأخيرة لنظام الفساد

د.نوري دريس النظام قي مأزق، و الضغط يزداد عليه. اللغة العشوائية التي بات يخاطب بها الجزائريين، تعكس تخبطه وافتقاده لاية خطة لانقاذ نفسه و
image

سعيد لوصيف ـ الموقف : أقولها و امشي...

د.سعيد لوصيف   سأحاول في هدوء فكري وسياسي – ولو إنني منزعج كثيرا وغاضب أشد الغضب – على تصريح قائد الأركان اليوم والذي يقول
image

عثمان لحياني ـ في المنع والرايات

 عثمان لحياني  تصريح قائد الجيش بشأن منع الرايات غير مناسب زمانا من حيث أن العقل الجمعي يوجه في الوقت الحالي كل المجهود بحثا عن حل
image

لعربي فرحاتي ـ الحراك ..وفزاعة الرايات ..

د.لعربي فرحاتي  مشروع الحراك الشعبي السلمي هو مشروع للحرية والديمقراطية والتنوع وإثراء الهوية الوطنية ..وما رفع فيه من شعارات ترجم إلى حد بعيد هذا
image

فضيل بوماله ـ إنا لله و إنا إليه راجعون وفاة د. محمد مرسي جريمة سياسية وأخلاقية

  فضيل بوماله  منذ شهور طويلة وعائلة الرئيس المصري الراحل د.محمد مرسي تشتكي من وضعه العام بالسجن عامة ومن حالته الصحية المتردية خاصة. ومذ سجن ظلما
image

وليد عبد الحي ـ بموته أطالوا عمره

 أ.د. وليد عبد الحي  أيا كانت الرواية الأصدق لوفاة الرئيس المصري محمد مرسي ماديا عام 2019 ، فإن وفاته المعنوية عام 2013
image

نجيب بلحيمر ـ هل من قارئ لكتاب الثورة ؟

نجيب بلحيمر   بسرعة تبخر الأثر السياسي المرجو من الإسراف في حبس كبار المسؤولين وجاء الرد حاسما عبر مظاهرات الجمعة السابعة عشرة من الثورة السلمية
image

فيصل بوسايدة ـ أي سيناريو يخبئه لنا الجيش الجزائري ؟

 د.فيصل بوسايدة    من الواضح جدا أن الحراك أو الشعب لا يدري تماما الخطوات التي يمكن أن يتخذها الجيش/المنجل، كما أنه لا يدرك الهدف من كل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats