الرئيسية | الوطن الجزائري | نوري ادريس ـ حول التاريخ وصناعة الأمة

نوري ادريس ـ حول التاريخ وصناعة الأمة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.نوري ادريس 

 

 

كلما حلت ذكرى تاريخية معينة، إلا واحتدم النقاش مجددا بين المشتغلين في الحقل التاريخي حول صحة العدد الحقيقي للشهداء الذي يسرح به التاريخ الرسمي، و يدور الجدل خصوصا حول شهداء مجازر 8 متي 1945( 45 الف)، و شهداء الثورة التحريرية ككل( مليون و نصف)...

المثير للانزعاج هو ذلك الفريق من المؤرخين الذي يشكك في الرواية و الارقام الرسمية، مستندا الى ارشيف الاستعمار الفرنسي، و يدعو هذا الفريق الى مراجعة التاريخ و كتابته "كتابة علمية" و تخليصه من الأسطرة و تضخيم الارقام، بهدف الوصول الى ( رواية تاريخية حقيقية)...

 

اعتقد انه يجب الانتباه الى مايلي:
اولا:
يجب التمييز بين علم التاريخ، و التاريخ...
ان علوم التاريخ ليست علوما كونية، بل هي علوم محلية..

 

 

ثانيا:
يجب التمييز بين تاريخ احداث بعينها، و بين التاريخ الوطني، كسردية و ملحمة وطنية..
التأريخ هو من اختصاص المؤرخ، لكن السردية الوطنية لا تقع في مجاله اصلا...

 

 

يمكن تطبيق قواعد المنهج التاريخي على احداث بعينها، بهدف اعادة بناء الصورة و تقريبها من الدارسين و من الاجيال...
و لكن، 
التاريخ الوطني، ليس علما، و لا هو في حاجة الى منهج علمي لتشكيله...و ما من أمة كتبت سرديتها الوطنية باستعمال علوم التاريخ...

 

التاريخ الوطني عبارة عن سردية ملحمية يتم انتاجها ايديولوجيا لبناء هوية وطنية جامعة و مرجعية، و يمكن تحويل الاسطورة الى جزء من هذه الهوية، و يمكن ايضا تحويل حدث صغير الى اسطورة وطنية...

كل المجتمعات بنت تاريخها على اساطير، و صناعة اسطورة وطنية، وهدا العمل هو جزء من بناء الدولة الأمة، و الأمة...

بعض المؤرخين الجزائريين يدعون فعلا الى كتابة تاريخ الثورة بموضوعية المؤرخين الفرنسيين، كما لو ان هؤلاء الفرنسيين كانوا موضوعيين بالقدر نفسه امام اسطورة جندارك و غيرها من تفاصيل التاريخ الفرنسي التي لست مطالبا اصلا بمعرفتها...و التباهي بمعرفتها هو جزء من العقدة التاريخية التي تلاحق المؤرخين الجزائريين...

 

يجب على المشتغلين في التاريخ ان يتخلصوا من عقدة المؤرخين الفرنسيين، و من الارشيف الفرنسي...
فالتاريخ ليس تحقيقا بوليسيا لمحاكمة اشخاص و تمجيد آخرين...
بل هو مجرد جهد و سردية ظرفية حول الماضي، و ليس الماضي كما حدث فعلا...
لا حرج اطلاقا في تضخيم عدد الشهداء و القتلى، لان ذلك يساهم في صناعة شخصية وطنية، و اسطورة وطنية، و لا يجب اخضاع العدد اصلا الى الارشيف الفرنسي والتحقيق التاريخي....ما الفائدة من ذلك اصلا؟؟؟؟

 

لكن في المقابل، من المهم ان يشتغل المؤرخين على نزع الشخصنة التي تم غرسها باثر رجعي في التاريخ، مثل اقصاء شخصيات معينة مقابل تمجيد شخصيات اخرى بهدف شرعنة علاقات سلطة في الحاضر...

 

كما انه من المهم اعادة التوازن الجهوي و الثقافي و اللغوي الى التاريخ الوطني، حتى ولو اقتضى ذلك، صناعة اسطورة جديدة تتمثل في "ثورة شاملة لكل التراب الوطني" ، و لا حرج من اعطاء احداث صغيرة في مناطق معزولة هنا و هنالك ابعادا وطنية و اهمية استراتيحة بالنسبة للثورة ككل...
كل المجتمعات بنت سرديات وطنية، و من حقنا ان نفعل ذلك، دون الشعور بالخجل او ا العقدة من ( علوم التاريخ) و من المؤرخين الفرنسيين....

 

 

في الحقيقة، السردية الوطنية الرسمية منذ الاستقلال الى يومنا هذا نجحت الى حد كبير في هذا، و لحسن حظنا، فالتاريخ الجزائري لم يتم اختزاله في اشخاص معينين، رغم انه اقصى شخصيات هامة، لكن عدم الاختزال و الشخصنة كان هو الاهم و المكسب الوطني...
و لكن من جهة اخرى، يلاحظ محاولات لاعادة امتلاك التاريخ سياسيا من قبل بعض الشخصيات التي فقدت سلطتها السياسية التجنيدية، و هنا يجب على المؤرخين و علماء الاجتماع التدخل، للتصدي لاية محاولة سطو و زرع للحاضر في الماضي باستعمال الكذب و التلفيق و التزوير...

 

شوهد المقال 594 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

اسلام طبوش ـ الحراك الجزائري من التعتيم الإعلامي إلى الاستهداف ... صمود الحراك يغضب فرنسا و اولادها

اسلام طبوش    قام الحراك الشعبي علي ما عقده بيان ثورة أول نوفمبر 1954 وفق المبادئ الاسلامية عقدته أيضاً ثورة 22 فيفري السلمية...
image

عبد الباقي صلاي ـ ماذا عن رجالات الدولة الأَكْفَاء الذين ظلمتهم العصابة؟!

عبد الباقي صلاي  حملةُ الأيادي النظيفة التي قادها  "أحمد أويحيى"  عندما تَسنّم القرار الأول في الحكومة الجزائرية أواسط التسعينيات من القرن الماضي،والتي على إثرها
image

نجيب بلحيمر ـ سحابة صيف راعدة

نجيب بلحيمر   كما كان متوقعا اكتفت الخارجية الفرنسية بالتذكير بحرية الصحافة للرد على قرار الجزائر استدعاء سفيرها لدى باريس احتجاجا على بث وثائقيين سهرة
image

نجيب بلحيمر ـ النقاش الحرام

نجيب بلحيمر   هل نقد بعض القرارات في ميدان السياسة الخارجية للجزائر والاختلاف حولها يمثل جريمة ؟ في الجزائر يجيب كثير من الناس بنعم، وقد
image

عثمان لحياني ـ فلتان وتلف

 عثمان لحياني  مثلما كانت هناك عملية مأسسة وتبني لخطاب الكراهية المبني على تمزيق الجغرافيا ووضع الحجر في الشقوق ، مثلما يبدو واضحا أنه تم
image

العربي فرحاتي ـ إذا عرف ..من رخص ؟ ..بطل العجب !

د. العربي فرحاتي  لشعورهم بالنقص في شرعية من انتخبوهم..الباديسيون الجدد يكملون ما نقص من شرعية السلطة التي انتخبوها من هجومات الاعلام الفرنسي لسلطتهم ..حيث
image

وليد عبد الحي ـ قرارات ترامب بين النرجسية والمؤسسية

 أ.د.وليد عبد الحي  أزعم ان عملية صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة لم تشهد في تاريخها تنازعا حادا بين " شخصية الرئيس" من
image

العياشي عنصر ـ خبايا "تحقيق فرانس5"

 د. العياشي عنصر  بعد مرور لحظات الصدمة والغصب لابد من التفكير بتأني وبمنهجية حول هذا التحقيق وتحليله وتفكيكه ثم إعادة بنائه حتى يتسنى لنا فهم
image

محمود بلحيمر ـ لولا الحراك لواصل الكثير من الناس التبوّل في سراويلهم كلّما سمعوا اسم السعيد

محمود بلحيمر   بالنسبة لي لا مقال يُنشر في "الواشنطن تايمز" ولا وثائقي يُبث في قناة فرنسية ولا أي عمل إعلامي أو دعائي يُغير من موقفي
image

زهور شنوف ـ معڤال وبوحميدي.. عار "قُبلة الشيخوخة" في الشارع! #الجمعة_67 #الحرية_للمعتقلين

زهور شنوف   في الاسبوع نفسه رأينا اهتماما غريبا بالحراك، على مستويات مختلفة، والحقيقة ان الاهتمام بالحراك لا يغيب ابدا لدى من ينام الجمر في بطونهم،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats