الرئيسية | الوطن الجزائري | لعربي فرحاتي ـ الحراك .والتخوين .والتكفير

لعربي فرحاتي ـ الحراك .والتخوين .والتكفير

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د.لعربي فرحاتي 
 
من نعمة الحراك الشعبي السلمي علينا من حيث هو فضاء لممارسة التحرير والحرية ان سمح لنا كجزائريين بتجاوز ايديولوجياتنا وانتماءاتنا وما شيده كل منا من اصنام ..ففي ظل الحزب الواحد وحتى في تجربة ديمقراطية الواجهة حولنا افكارنا الى عقائد متحجرة ..وحولنا زعمائنا الحزبية ورؤسائنا الى اصنام محنطة ..تعرضت شخصياتنا للتشويه والغلق بشكل رهيب حيث المختلف عدو..وحيث القابلية للاستعباد والاستحمار سمة مركزية في شخصيتنا استنبتتها فينا سياسات تقطيع المجتمع.. فكنا طلية مرحلة الاستقلال الى غاية نعمة الحراك كما لو اننا كائنات متضادة صراعية يخون بعضنا بعضا .فمن هو خارج جبهة التحرير مثلا يعد خائنا ويصنف ضمن المواطن من الدرجة الثانية .. فيحرم كل حزائري خارج منظومة الحزب من كثير من الحقوق.. وكأن جبهة التحرير ورثتنا نمط العلاقات السائدة ايام الاستعمار حيث يخون كل من هو خارجها من الجزائريين ..فنعمة الحراك نعمة انعمها علينا الله لنقف وقفة تاريخية للتامل لنكتشف ان بيننا عهد وطني وان مشكلتنا هي الديكتاتورية واطلاق حرية الاختيار والارادة ..وليس التنوع العرقي او الايديولوجي الا نعمة.. واهتدينا بكل تنوعنا الى بحث التخلص من هذه الصنميات وهذه التصنيفات وتخوين بعضنا البعض ..ونترك ولو بعض الوقت خصوصياتنا لنلتقي ونجتمع على الحاجة الى الحرية من حيث هي حاجتنا جميعا تنافي الصنمية والديكتاتورية .. ولذلك فالحراك فكرة مفتوحة او مدرسة ومنتدى لفكرة الحرية تتجاوز المؤسسة الحزبية او الدينية ..ولا يخضع لشروطها ولا يقبلها..واذا كانت الاحزاب والفكرانيين والمجتمع المدني والنقابات والجامعات بمكوناتها تحاول الاستفادة ما امكن من هذه النعمة وهذا الفضاء الحر وتراجع دوغمائيتها وصنمياتها لتخفف من حالة التعصب والأعلاق الفكري .وتحدد المشكلة الوطنية في الديكتاتورية ونقص الاستقلال والتضييق على الارادة الشعبية.. الا انه وللاسف ظهر مع تطورات هذا الحراك المبارك من يحاول اعادة انتاج الصنمية والديكتاتورية ويشوش على ما اكتشفه الجزائريون بارادتهم من معاناة اضطراب العلاقات السياسية والسويولوجية بين الجزائريين في ظل الديكتاتورية والاستبداد وحكم العسكر نتيجة نقص الحرية والارادة.. واخذ يشوش على أخوة الحراك ووحدته واهدافه .. إذ يبدو ان اجندة "القايد صالح" ومن معه من العسكر بوصفها فكرة مؤسسية دستورية تطورت من مرافقة الحراك مرافقة حميمية الى اجندة عكرت صفو الحراك وتحاول ان تخرجه من روحه (الحرية ) وتضعه في قفص الدستور كحيلة لاستمرار الديكتاتورية.. ويبدو انها من جهة ثانية تتشكل حولها ما يمكن أن اسميهم "حواريون" وهم على صنفين (تكفيريون .وتخوينيون) فالتكفيريون يبدعون (البدعة ) الحراك واهله ويفتون بجواز محاربة كل خارج عن الحاكم المتغلب (بالأمس كان بوتفليقة .. واليوم القايد) وهم في ذلك مضادون للحراك ويزرعون العداوة والبغضاء للوقيعة بين الحاكم والمحكوم ..ويبعثون الدوغمائية إلى عقلية الجزائريين وبناء علاقات الاستعباد والاستحمار . واما التخوينيون ويبدو انهم من سلالة نظام الحزب الواحد متشبعين بقيم الديكتاتورية والتخوين .. فقد تشكلوا كما لو انهم حزب خاص للتسويق للقايد (حزب القائد) وهم على ثلاثة أصناف " حواريون تابعون يناضلون من اجل القايد .. وايديولوجيون مناضلون من اجل الفكرة.. ومستأنسون يناضلون من أجل حماية الحراك ) فالحواريون يبدو انهم من ذوي المستوى التعليمي البسيط الذين لا يفكرون ولا يتحركون الا داخل صندوق العسكر .. يتماهون مع القايد ويسبحون بحمده ويتقلبون كما يتقلب ويتناقض في مواقفه.. فلا يهمهم اجندة القايد بقدر ما يهمهم شخصه .حيث يعتقدون فيه الحل السحري والشخصية الملهمة المطهرة للدولة.. فصنعوا منه صنما يحتل تفكيرهم وذواتهم وانصهروا في شخصيته فلا يرون معارضيه في ما طرحه من اجندة تعيد انتاج الديكتاتورية الا وهم اعداء من حزب فرنسا ويشيطنونهم ويرمونهم بالخيانة للوطن وبالزواف ..الخ ووصل بهم الامر الى اطلاق اوصاف غير اخلاقية على النخب الناقدة لمشروع القايد ويتطاولون على أساتذتهم ويتطاولون على المعرفة فسقطو في الجهل المركب ولا يستحون من ذلك ..فذكروني بما رواه العلامة الشيخ الغزالي رحمة الله عليه حين طلب منه السجان الامي معاتبا له بان يحترم وطنه ..وذكروني بلحظة إعدام سيد قطب حين قال له الأمام تذكر الشهادة وقل لااله الا الله ..فرد عليه السيد ب "أنني اقدم روحي فداء للااله الا الله ..وانت تاكل بها الخبز " اما الصنف الثاني فهم المناضلون من اجل الفكرة أيديولوجيون يؤمنون بفلسفة القوة وأغلبهم أساتذة ونافذين في الحكم والعسكر ونقاشهم ايديولوجي محترم ..ويرون انه لا مفر من استمرار تدخل الجيش في السياسة وألحفاظ على مكانته ..والحفاظ على الاستقرار والأمن لمنع أي انزلاق ..وهم بذلك يؤيدون ويناضلون من اجل التسويق بالتحرك داخل صندوق الدستور وتفادي ما يعتبرونه مغامرة "الفراغ الدستوري " وبالتالي يستحسن انتخاب الشخصية التوافقية أو مرشح الإجماع وهو مرشح الجيش يكون مدني أو عسكري ..وهم بهذا يعملون من اجل إنهاء الحراك والاستعداد للانتخابات ..او الإبقاء عليه ضاغطا بسلمية إلى ٤ جويليا والمشاركة بقوة في الانتخابات لما يسمونها بالقوى الوطنية ويرون هذا الحل هو المخرج .. وكل معارض وناقد له انما هو مضاد للحل الدستوري ويبحث عن الفوضى وتعجيز الجيش عن الحلول الراديكالية بل ويتهمونهم بانهم يدفعون الجيش للتدخل كما دفعوه الى ذلك في التسعينيات .. وبالتالي فهم لايرون بديلا عن استمرار الجيش في مرافقة الحراك وقيادته الى الانتخابات التي سيضمن الجيش نزاهتها ..وواضح ان هذا الرأي يقفز على الحراك من حيث هو حراك لتغيير النظام وابعاد الجيش عن الشان السياسي وتحرير منصب الرئيس من احتكار الجيش ولم يخرج الشعب الى الشوارع بالملايبن من اجل تنظيم انتخابات تؤطرها هياكل فاسدة وشخصيات بوتفليقية ..واما الصنف الثالث وهو المستانسون الذين ينحازون بقوة الى الحراك وسقف مطالبه.. الا انهم يرون في شخصية القاىد " بصدق" في انه يرافق الحراك الى اهدافه كما وعد بشكل سلمي ..وهم في هذا يسايرون المقولة الشعبية "تبع الكذاب إلى باب الدار " وبالتالي فهم يرون ضرورة استغلال موقف قيادة الجيش لصالح الحراك ..وان المخالف لهذا الرأي يضعون الحراك في مواجهة الجيش وهو مغامر خطيرة على الحراك.. ويبدو انهم أساتذة وطموحاتهم ونقاشاتهم محترمة أخلاقية .ولكن السير في هذا المنحى لا يخلو من الغفلة كما نراه ويقود إلى مفهوم التفويض كتفويض السيسي ويصبح مدخلا لانتاج الديكتاتورية من جديد ..وهو الأخطر ..سيما وان قيادة الجيش فصلت امرها في التمسك بالانتخابات وترفض بشكل قاطع إلى هذا اليوم مطالب الشعب بحل مؤسسات العصابة والدخول عبر المادة ٧ إلى في المرحلة انتقالية التي تعيد الشرعية الشعبية للحكم .وفي آخر خطاب القايد يكاد يتهم الحراك الذي وصفه في البداية والحضاري يتهمه ب "الحدث المفتعل "..وهو ما جعل المناصرين للحواربين منهم خاصة يبالغون في تخوين من خالف القايد ويطلقون العنان لألسنتهم البذيئة أحيانا مستقوون بالجيش..
واذ اننا كنا ننتظر ان تنخرط قيادة الجيش بكل صدق ومسؤولية تاريخية في هذا الحراك باعتباره فضاء للحرية ومراجعة المواقف.. وباعتباره وقفة وطنية تسمح باعادة النظر في مسارنا كجزائريين تحكمنا اخوة الدين.. وكمجتمع تحكمنا قيم نوفمبر لا فرق بين عسكري ومدني ..وكنا ننتظر ان نتعلم الدرس من التجارب المؤلمة السابقة .. وكنا ننتظر ان تتعلم قيادة الجيش مع شعبها كيف تتنازل لشعبها وتعدل من مواقفها وثقافتها في الهيمنة وتتخلى عن الحكم بالشرعية الثورية والانقلابات .. وتؤسس لرجوع مؤسسة الجيش الى مكانتها ووظيفتها الطبيعية خارج الجدل السياسي .. الا اننا نرى ان قيادة الجيش في واقع الامر خلقت بهذا التدخل وفرض أجندتها على الحراك حالة اصطفاف حادة وقسمت الحراك الى وطنيين يساندونها.. واعتبرت من خالفها خونة يساندون حزب فرنسا.. مما اشاع ثقافة التخوين المتبادل داخل الحراك ..وهو أمر خطير تتحمل قيادة الجيش مسؤوليته .. 
واذ اننا نعلم انه من الطبيعي أن تتشكل حول الفكرة أنصارا ويتأثر أنصارها بها تفكيرا وسلوكا إلى حد الدوغمائية.. ومن الطبيعي ان تتشكل حول الشخصية العسكرية أتباع ويتأثر أتباعه بشخصيته إلى حد التقمص .الا انه ليس من الطبيعي أن ننغلق في فكرة تأكد معظم من هم في متن الحراك الشعبي خطأها ورفضها ..وليس من الطبيعي ان يصبح المعجبين بشخصية القايد حواريين يمتهنون التخوين والتخويف يضرون والقايد نفسه..أفما آن الوقت وحان ان تخرج قيادة الجيش من ثنائية (مع /ضد) " من ليس مع فهو ضدي" أما حان الوقت ليتعلم الجزائريون في هذا الفضاء المبارك الذي اتاحه الحراك احترام بعضهم البعض ويتخلوا عن التخوين المتبادل ..اما أن الوقت ليفهم الجميع ان انتقاد اجندة القايد ليس عدوا للقايد ولا هو ضده ولا هو استعداء للعسكر والمسالة ليست أشخاص ولا علاقات شخصية ..أما آن الوقت ان تخرج قيادة الجيش من صندوق المادة ١٠٢ .وتتعاطى مع الحالة الثورية الشعبية بتبني المادة ٧ منه فتصبح في متن مطالب الحراك السلمي ولا خوف من جالة الفراغ الدستوري المزعومة .أما آن لقيادة الجيش ان تتفهم الوضع الحضاري وضرورة الانتقال الى الشرعية الشعبية بدلا من خلق هذه الحالة الاصطفافية الإنقسامية ..
انني وتأسيسا على إدراك قيادة الأركان خطورة تكرار التجارب المأساوية ووعدها بحفظ دماء الجزائريين .. لا أعتقد مع تطور الحراك بسلمية فائقة متميزة في حضاريتها ان تبقى لهذه الدوغمائية المفتعلة وموجة التخوين التي تنتشر بشكل غير طبيعي وحالة الاصطفاف أي يبقى لها تأثيرا على إرادة الشعب وثنيه على التمسك بمطلبه الحضاري ولا تؤثر فيه شتيمة الزواف وتهمة الأيادي الخارجية الفرنسية والاستخفاف باصالته. ولا استبعد أبدا أن تدرك قيادة الجيش المدلول السياسي " شعار الشعب والجيش خاوا خاوا " ولا استبعد ان تدرك أهمية اعادة الشرعية الشعبية للحكم وان تعي ان المعركة التي يخوضها الحركة هي سياسية وليست مجرد اجراءات قانونية ولجنة انتخابية وانها معركة انهاء حالة اللاشرعية واللامعيارية والأخلاقية المنهكة للدولة .. فتتعاطى مع واقع الحراك ووعيه المتصاعد بواقعية.. وتستجيب اخيرا للحاجة الحضارية للشعب (بناء الدولة ) وتدخل بذلك التاريخ المجيد وتعطي الجزائر شعبا وجيشا درسا مثاليا للعالم وتكون تجربتها محل استلهام كل شعوب العالم التي تئن تحت وطأة الديكتاتوريات .فلنبعد عن التخوين والتكفير وليحترم بعضنا بعضا مهما اختلفنا فالحراك فرصة للتصالح مع الذات لا لتحريك جراح التاريخ .. العربي ..

شوهد المقال 90 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

عياش في 04:55 10.05.2019
avatar
من بنى عدم التعايش في النظام السياسي الجزائري منذ 1962 ووضع ايديولوجية لنفسه ، فهو إلى اليوم متمسك بها دون استثناء على الأقل من الاحزاب المعتمد والتي لاحظنا سلوكاتها الرادكالية عندما تطرح مسألة التاريخ والهوية و العلاقات السياسية و الاقتصادية وحتى الثقافية، فالجيش كان يستعمل دون إرادته اللهم قياداته الت تبدي الولاء وإلا تحال على التقاعد

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

ناصر جابي ـ الجزائر ماذا بعد تأجيل الانتخابات الرئاسية؟

د.ناصر جابي  لعنة الانتخابات تلاحق مرة أخرى الجزائر، أو بالأحرى النظام السياسي الجزائري المغرم لحد الهوس بتنظيم انتخابات لا دور لها إلا إعادة إنتاج
image

نجيب بلحيمر ـ نهاية الخيار "الدستوري"

نجيب بلحيمر  لن تكون هناك انتخابات في الرابع جويلية القادم، كان هذا قرار الشعب الجزائري السيد، ومهما تكن المبررات التي ستساق لعدم إجراء الانتخابات
image

حمدي بالا ـ مُرغمة سلطتك

حمدي بالا الآن نجحت المسيرات الشعبية في إسقاط رئاسيات 4 جويلية التي أراد النظام فرضها لتجديد نفسه، ووجب الوقوف عند الشهر و نصف
image

حميد بوحبيب ـ كيفية العبث بالرأي العام ، وصناعة المخيال السياسي

 د. حميد بوحبيب علم النفس الاجتماعي أو ما يسمى پسيكولوجيا الجماهير أعطت لكل الأنظمة الشمولية منذ الثلاثينيات وصفات فعالة لقولبة الوعي وتنميطه ، تحضيرا للعبث
image

فضيل بوماله ـ ارفعوا ايديكم عن عبد الله بن نعوم.. صرخة

  فضيل بوماله  لا حول ولا قوة الا بالله.. اللهم فرج كرب المظلومين والمساجين ظلما والمقهورين والمعوزين والأرامل واليتامى وكل المعذبين في الارض. هاهو المؤذن يؤذن للإفطار..صيامكم
image

جلال شقرور ـ شبكات الجيل الخامس و التحديات الامنية ..مشكلة هواوي وترامب

د.جلال شقرور  مشكلة هواوي مع ترامب تتركز في نوعين من التقنية: شبكات الجيل الخامس اللاسلكية 5G والهواتف الذكية التى تعمل على نظام الأندرويد. وبالرغم
image

نجيب بلحيمر ـ عبقرية الثورة تنتصر

نجيب بلحيمر  أجهزة الأمن ألقت بكامل ثقلها من أجل إجهاض الجمعة 14 من الثورة السلمية, وكان جزء من الخطة يتعلق بمنع نقل صور المظاهرات عبر
image

عبد القادر خليفة ـ الحراك والدولة المنشودة

 أ.د خليفة عبد القادر * يبدو أن حراك الشعب الجزائري الباهر في أسبوعه الرابع عشر قد وصل أخيرا إلى السؤال الأهم والنقطة الفاصلة بل
image

سهام بن لمدق ـ صفوة القلب

 سهام بن لمدق         تطلعت الشموس مكان قلب مرافقة سطوعا على دروب كأن طلوعها متوازن في سماء صفوها منته حجوب ترببعت ا لقلوب على سفوح دجاها
image

وليد بوعديلة ـ المسلسل الدرامي "مشاعر"..عمل متميز بتفاعل مغاربي وتركي ؟؟

د. وليد بوعديلة  مسلسل "مشاعر"..تجربة متميزة بتفاعل للخبرات الفنية-استفادت السياحة التونسية..وللجزائريين متعة "التفرج"؟؟- يبث مسلسل مشاعر في قناة النهار الجزائرية وقرطاج+التونسية وغيرهما ، وهو انتاج تونسي ،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats