الرئيسية | الوطن الجزائري | حسين بوبيدي ـ الأمازيغية بين ثقافة المطالب وأدوات التوظيف

حسين بوبيدي ـ الأمازيغية بين ثقافة المطالب وأدوات التوظيف

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د.حسين بوبيدي 
 
 
بعد المحاضرة "الجريمة" التي ألقاها العميل فرحات مهني في جامعة تيزي وزو عاد الجدل حول الهوية الأمازيغية بالجزائر، في وقت لابد أن لا تطرح فيه هذه القضايا التي تفجر وحدة المطالب الشعبية، فقد تعصب طرف وقال أن كل من يتحدث عن الهوية الأمازيغية يخفي فكرة انفصالية، وتعصب طرف فقال أن الأمازيغية هوية مفردة تميز منطقة معينة دون غيرها من المناطق، ولام طرف آخر الدعاة المعتدلين لهذا البعد الهوياتي بسبب عدم رفع أصواتهم عاليا ضد الانفصاليين وتركهم يسرحون ويمرحون ويشوهون المنطقة ونضالاتها التاريخية، فأحدث هذا رد فعل عنيف أيضا لأن سكان المنطقة لا يحق لأحد أن يطلب منهم كل يوم كشف حساب الوطنية، وإعادة إعلان الانتماء للجزائر، ولذلك أردت أن أعود للموضوع في طرح هادئ متزن، ليس لأتحدث عن موقع الأمازيغية داخل بنيان الهوية الجزائرية باعتباري من المدافعين عن الهوية التراكمية والتركيبية التي لا يمكن الفصل بينها في تشكيل الإنسان المغاربي، ولكن أعود للتحذير من حقيقة التوظيف الذي تستغل به هذه القضايا والتلاعب الذي يتم عبرها لأجل أهداف لا تمثل منطلق المدافعين عن هذا البعد، لكنها تتحول تدريجيا إلى قنبلة موقوتة، ضاربا المثال بتجارب شبيهة بنا تماما، وهي تجرية الهوية الطورانية والهوية الكردية والهوية العربية.
إن المسار الذي سلكته القومية الطورانية في تشكلها والتحولات التي نتجت عنها وأدت في الأخير إلى تقسيم الإمبراطورية العثمانية وإقامة الجمهورية التركية التي لا تزال تعاني إلى اليوم من مشكلة التأسيس القومي في بلد لا يحتوي الأتراك فقط، هو نفس المسار الذي تسير فيه بعض الطروحات الأمازيغية اليوم، نقاشات تبدأ من قضية الإحياء اللغوي إلى التميز العنصري إلى النفخ في الأمجاد البعيدة ولو كانت تتعلق بالوثنيات والشخصيات الأسطورية والأعياد الوهمية، إلى العداء للآخر باعتباره دخيلا، والعمل على إنتاج الصراعات والقضاء على المكونات الجامعة من أجل وهم كبير يتعلق بإقامة وحدة على أسس أخرى.
من يطالع مسار القومية الطورانية يدرك جيدا أن الأحلام الأولى كانت بعيدة جدا عن النهايات، لقد كانت أحلاما تجمع الطورانيين وليس الأتراك ولكنها بدأت تضعف رويدا رويدا إلى أن اكتفت بطرح يقسم العنصر الجامع إلى عناصره الجزئية، وهذا ما يهددنا اليوم، فتجاوز المكون الديني واللغوي الذي يجمع الجزائريين ممثلا في الإسلام والعربية، يفتح الكثير من الأبواب التي لا جواب عليها، تتعلق بالأصول والسابق واللاحق، ثم تقدم الأمازيغية شعارا كبيرا يمتد على كل مجالات إفريقيا الشمالية والصحراوية، لكنه لا يلبث أن يتفرق داخل الخصوصيات التي لا يمكن لأحد أن يقضي عليها، وهو ما سينتج أمازيغيات وليس أمازيغية واحدة، وليس معنى هذا إلغاء هذا البعد من دوائر الإنتماء لكنه يحفظ لمن أراد أن يحافظ عليه وتحترم خصوصيته، لكنه لا ينبغي أن يتحول باعتباره قضية غير مجمع عليها إلى أصل هوياتي بل إلى خصوصية هوياتية، فليس لك الحق أن تلزم شخصا على أنه أمازيغي رغم أنفه، لأن الشعور بالإنتماء لا يقوم على الإكراه بل ينطلق من شعور الفرد والجماعة بعمقهم التاريخي وتضامنهم الاجتماعي.
من جهة أخرى لو انتبهنا إلى عرابي الفكرة الطورانية سنجد أنها لم تنضج في تركيا بل دخلتها على شكل دراسات تاريخية وأنثروبولوجية وألسنية، ثم تم تحويلها بالتدريج إلى مشروع سياسي، ثم تم المناداة بها كبديل للإنتماء الإسلامي والعثماني، وفي الدراسات المتعلقة بالموضوع ما يكشف عن دوائر ليست تركية ولا طورانية أسست للفكرة تاريخيا وأدبيا وألسنيا وعقديا، ثم تلقفت شخصيات من داخل هذا الإنتماء هذه الأفكار وطرحتها في سوق السياسة؛ لتحولها من البحث الفكري إلى قنابل تفكك المجتمع.
إن ما تعانيه تركيا اليوم مع الأكراد يعود في جزء من جذوره إلى هذه القضية، فوطن يعلن أساس الوحدة القومية في جذوره التأسيسية سيكون دائما أمالم رغبة الأقليات في تحقيق هذا النوع من الوحدة أيضا، ذلك أن منطلق الأرض والإنتماء الثقافي والحضاري هو الذي يمكنه أن يصهر القوميات المختلفة في مشروع سياسي واحد تجمعهم فكرة المواطنة ويوحدهم الإنتماء وليس يفرقهم، والحمد لله أن الجزائر لا تحمل في إسمها ما يمكنه أن يكون منطلقا لهذا التقسيم، فهي تحمل الإسم بمعانيه التاريخية كمدينة مثلت رمزا للصمود والمقاومة ضد الإسبان، بكل ما تحمله هذه الرمزية من بعد جغرافي وديني وحضاري، وما مثلته من رباط روحي مع مؤسسة الخلافة العثمانية، ومحاولة تحويل البحوث الأكاديمة في التاريخ القديم والأبحاث الألسنية عن اللهجات إلى مشاريع سياسية كما في تجربة فرحات مهني وأمثاله ممن يمثلون المقدمات الفكرية لمشروعه الإنفصالي، أقول إن مثل هذه المشاريع هي نيران مفككة للأوطان مؤذنة بخرابها، والغبي فقط من لا يدرك ذلك.
لقد انتهت الفكرة الطورانية عند الحدود التي أرادت لها القوى العالمية يومها أن تنتهي إليها، لأن قرار الضعيف ليس بيده، ومن ثم خبت وخفتت بعد أن تم تفكيك الإمبراطورية العثمانية التي مثلت سياسات التتريك القهرية أحد أهم أسبابها، وهو ما يعد عند دوائر صنع القرار العالمي المستوى النهائي من تسخير الفكرة، بل يعد أيضا عملا على تفكيك فكرة القومية الطورانية بعد أن تم تفكيك الفكرة الإسلامية بها، وقارن أيضا بما مثلته الفكرة القومية العربية من سلاح لضرب العثمانيين، ثم تعرضت هذه الفكرة أيضا للتقسيم عبر مشروع سايكس بيكو لكي لا تتحول إلى وطن عربي ممتد على كل المجال الناطق بالعربية بما يمثله من مخزون كبير بشريا واقتصاديا، وموقع هو الأهم استراتيجيا، فكانت سايكس بيكو بمثابة الضربة التي قضت على الفكرة القومية العربية الشاملة، وحولتها بالتدريج إلى قوميات قطرية متصارعة أودت بالبلاد والعباد.
لست أنطلق من نظرية المؤامرة، لكن من دروس التاريخ، فالفكرة الكردية اليوم تقع في مراحل متقدمة تعد نهايات مرحلية للفكرة الأمازيغية التي يراد تحويلها من النقاش الفكري إلى المناورة السياسية، وسيكون الأكراد مجرد بيدق تقسيمي للدول، ولن تسمح القوى التي تملك سلطة القرار بتحقيق الحلم الكردي كاملا، كما لم تسمح للطورانيين والعرب، وكما لن تسمح للطروحات الأمازيغية الإنفصالية أن تتحول إلى وطن أمازيغي بالخرائط الحالمة، بل ستجعله مجرد مشروع لتقسيم دول ترى الدول الإستعمارية أنها أخطأت بتركها واسعة محتوية على الكثير من الموارد، وهو ما يسمح لها لو أصلحت أنظمتها السياسية أن تكون مستقلة استقلالا فعليا وسليمة من التبعية للإستعمار القديم.
إنني أكرر دوما أن الإستعمار لا ينتج تاريخنا في مخبره، لأن التاريخ صراع الإرادات، ولكنه يستثمر في غبائنا التاريخي من أجل تمرير مشاريعه التي تخدم مصالحه، ومصالحه فقط، فمن رأى أن الدول الكبرى تقدم له من التسهيلات والإمتيازات لأجل فكرة معينة فليتذكر مدارس الإرساليات التبشيرية في المشرق، وكيف كانت مقدمة لمشاريع قادمة بعد عقود من الزمن، وليتفكر كيف يحول الخبراء الغربيون حركات الإحياء الأدبي واللغوي إلى مشاريع تقسيم عندما يغمسونها في السياسة، فلنكن نحن أذكياء في الحفاظ على أرضنا التي تحتاج إصلاحا وليس هدما، ولا نكن معاول تقدم الدماء على مذبح المشاريع الغربية.
في الطرف المقابل شهدنا تشكل رأي جديد يدافع عن هوية ما قبل إسلامية باسم العربية الفينيقية!! ويعمل من خلال انتقاء لا علاقة له بالبحث العلمي على البحث عن أصول أوروبية لسكان بعض المناطق، فتارة ينسبهم لألمانيا وتارة أخرى لأوكرانيا، وتم تسخير بروباغندا "الزواف"بطريقة مقيتة من أجل عملية تخوين قائم على أساس جهوي في ضرب مباشر لأبسط قواعد البحث التاريخي وتلاعب واضح بالعقول التي صدقت أن تاريخنا مقسم إلى مناطئق ملائكية ومناطق شيطانية، وهكذا تم إنتاج حزبي بعث فايسبوكي لا شغل له سوى إذكاء نار الفتنة بين الجزائريين، وصار النقاش بين هؤلاء البعثيست وأولئك البربريست خطرا يتهدد كل الجزائر.
في الختام لابد أن تكون النخب الجزائرية واعية بالتركيبة البشرية في الجزائر، مدركة لجذور التحول من المغرب الأوسط الحمادي إلى المغرب الأوسط الزياني واعية بمجال الحضور الحفصي والمريني فاهمة للدور العثماني في وضع الصورة الكاملة للشمال وفاعلية المقاومات الشعبية والحركة الوطنية والثورة التحريرية في تشكيل بناء جغرافي لم يتحقق للجزائر من قبل، وسيكون من الجرم التضحية به انطلاقا من اكراهات الماضي وإلزاماته، بدل العمل على الدفع بكل المقومات القادرة على الصهر والضم والوحدة من أجل تحويل هذا المجال إلى لحمة غير قابلة للافتراق عن بعضها، ولن يكون ذلك سوى بتعزيز القواسم المشتركة والاعتراف بالخصوصيات المميزة، والضرب على يد العابثين بتضحيات الأجداد ومستقبل الأجيال.
إنني بهذا المقال لا أرضي الطرفين، ولكن حسبي أنني أرضي ضميري، وأكتب انطلاقا من إيماني بالوحدة التي تجمعنا، وخوفا من التلاعب بالعقول باسم العلم والثقافة والهوية، التي تخفي تحتها صراعا سياسيا دنيئا لا يبالي بمصير الأوطان من أجل تحقيق أهداف دنيوية تافهة.

شوهد المقال 187 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

سامي خليل ـ ماذا لو تصمت فرنسا .. و تفهم اننا لا نحتاجها.

د.سامي خليل  خطاب السفير الفرنسي كزافيي دريانكور أول أمس حظي بكل تاكيد بعناية خاصة لأن بناء النص ممتاز لغويا و من الصعب حتى
image

محلب فايزة ـ سوف أقتني الشجاعة

محلب فايزة * تُقَسّم الصفات والأذواق تمام مثلما تُقسَّم الأرزاق والأعمار، فنجد الغني والفقير، ونجد من يغادرنا وليدا، ومن يُعمّر فيرى أحفاد أحفاده... كذلك نجد غني
image

محمد الصادق بن يحي ـ أيها الصحفي كن نحلة ولا تكن دبورا !

محمد الصادق بن يحي " على الرغم من أن النحلة و الدبور ينتميان لنفس العائلة و التي تدعى الأجنحة الغشائية و على الرغم أيضا من
image

نعمان عبد الغني ـ حب المنتخب يسري في دم كل الجزائريين

نعمان عبد الغني *  يسعدني الانتماء للوسط الرياضي كلما قامت الرياضة بدورها الريادي لخدمة الوطن، وأتذكر مرات كثيرة شعرت فيها بالفخر حين أثبتت الرياضة أنها من
image

اليزيد قنيفي ـ سؤال اللغة الإنجليزية...؟

اليزيد قنيفي   أكبر عدد من البشر يستخدمون الانجليزية ليس في أمريكا ولا في أوروبا ..وإنما في الصين الشعبية .400 مليون يستخدمون الانجليزية في الصين ..في الاقتصاد
image

علاء الأديب ـ بين عسر ويسر

د.علاء الأديب            أأبيع نفسي كي أعيش منعّما؟هيهات لو بلغ الجفاف دمائي اني اشتريت بكلّ عمري عزّتيولبست تاج كرامتي وآبائي وسعيت بين الناس ابسط خافقيقبل الكفوف
image

نجيب بلحيمر ـ الثورة السلمية فوق الإنكار

نجيب بلحيمر   تقعدك نزلة برد شديدة وحمى في يوم قائظ في البيت، وتجبرك على متابعة الإعلام الجزائري وكيف يغطي الثورة السلمية، لا أثر للمظاهرات على
image

العربي فرحاتي ـ بين الحكم المدني والحكم العسكري برزخ لا يبغيان

د. العربي فرحاتي  السلطة الفعلية تطور من الشيطنة.. فمن شيطنة شعار " يتنحاو قاع " واتهامه بالشعار "التعجيزي" إلى شيطنة شعار "دولة مدنية ماشي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats