الرئيسية | الوطن الجزائري | جيهان أبواليزيد ـ البحرية الجزائرية بين الوسم والوصم

جيهان أبواليزيد ـ البحرية الجزائرية بين الوسم والوصم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 

جيهان أبواليزيد


 


التاريخ يكتبه المنتصرون، تمثل هذه المقولة الشهيرة التى يرجعها البعض لتشرشل دستورا لأغلب المصادر الغربية فيُغض النظر عن الحقائق في سبيل إظهار الخصم بمظهر الهمجي المعتدى على أصحاب الحضارات، وقد تناقلت المصادر الغربية لسنوات طويلة هذه المبادئ حتى صدقها الكثير من أهل الشرق. فرغم التاريخ المشرف للبحرية الجزائرية التى كانت تتحكم بالبحر المتوسط تحت مظلة الإمبراطورية العثمانية الإسلامية، والتي تصدت للكثير من هجمات الأساطيل الأوروبية إلا أنها من وجهة نظر الكثير من الكتاب الأوروبيين لم تكن تمثل سوى مجموعة من القراصنة والبرابرة يشنون بين الحين والأخر هجمات على بعض سواحل شمال المتوسط ويفرضون ضريبة على السفن المارة لحمايتها ومنها سفن الولايات المتحدة بعد استقلالها عن بريطانيا، مما أثار حفيظة هذه الدول.

 

يتغافل البعض بقصد وبدون عن الربط بين تزامن رحى المعارك التى كانت دائرة في مياه البحر المتوسط بين أسطول الإمبراطورية العثمانية والكثير من الدول الأوروبية ثم لاحقا الولايات المتحدة الأمريكية، وفترات الحملات الصليبية على بيت المقدس، وأيضا تهديدات المد الاستعماري الذى بدأ منذ القرن الخامس عشر لدول جنوب البحر المتوسط التابعة للإمبراطورية العثمانية خاصة التهديد الإسباني لسواحل الجزائر. لذا كان لابد للأسطول الجزائري أن تقوى شوكته لصد هذا المد وأصبح قوة بحرية في المتوسط بل وصل لمياه الأطلسي، ولم يكن البحارة الجزائريين مجموعة من القراصنة بل جيش يتبع دولة وإمبراطورية تدافع عن سواحلها للذود عن أرضها بدليل أن الضريبة المفروضة كانت تذهب لخزانة الجزائر والدولة العثمانية. ومع ذلك رسخت تلك العقيدة لدى الكثيرين نتيجة لما روجته المصادر الغربية فأصبح الدفاع لصد الاستعمار قرصنة، أما الحملات الصليبية والهجوم على سواحل جنوب المتوسط واقتسام واحتلال الدول العربية أو تركة الرجل المريض (الإمبراطورية العثمانية) يسمى فتح وواجب دينى وبطولة. حتى رسامين تلك الفترة وأهمهم Laureys a Castro  صاحب أشهر لوحات للمعارك البحرية، يعنون لوحاته بكلمة البرابرة والقراصنة.

 

 

جانب من معركة بحرية بين الأسطول البربري الجزائري و الأسطول الإنجليزي-الهولندي

Laureys a Castro 

 

 

بعد أمير البحرية الجزائرية بن حميدو أحد الموصومين بالقرصنة من جهة الغربيين بحجة استيلائه على بعض سفن الأسطول البرتغالي والأميركي، ويعتبره العالم الإسلامي والعربي من الموسومين بالبطولات ومن المجاهدين لصد العدوان لاحتلال بلاده، وله الفضل في تأسيس أسطول قوى فرض سيادته على البحر المتوسط لأكثر من ربع قرن، فقد قدر عدد البحارة الجزائريين في عهده بأكثر من 130 ألف بحار وسطع نجم البحرية الإسلامية الجزائرية في ذلك الوقت وتمكن الأسطول من الوصول بعملياته إلى اسكتلندا والمحيط الأطلسي، أطلق اسمه على إحدى الفرقاطات البحرية المهمة بسلاح البحرية الجزائرية ، ويقف تمثاله بشموخ بساحة الشهداء بالعاصمة الجزائرية. ورغم أن الاسم المنقوش بجداريته يذكرنا بأحد أفلام الفنان إسماعيل ياسين (بن حميدو) الصياد السويسي، لكن لا أعرف هل المؤلف عباس كامل والمخرج فطين عبد الوهاب قد استلهما اسم الفيلم من تاريخ البحرية الجزائرية أم أنها صدفة ؟! وهل امتدت الصدفة ليصف المعلم حنفى (عبد الفتاح القصرى) بن حميدو بالقرصان أم أن ما عززته المصادر الغربية لقرون طويلة قبلته العقول العربية ورسخته السيناريوهات السينمائية ، أم ذلك نتيجة لما بثه الاستعمار في نفوسنا وزرع الفرقة وعدم تفهم كلا منا للأخر فكان سببا في هذا التشويه التاريخي والثقافي ؟

 

 

أكد التاريخ ما كانت تهدف إليه الدول الغربية فالولايات المتحدة هدفت لتحطيم الأسطول القوى وكان لها ذلك فامتنعت عن دفع الضريبة المقررة واتخذتها ذريعة لقيام معركة بين الأسطولين الجزائريين من جانب والأمريكي والبرتغالي من جانب أخر وأصيب بن حميدو بقذيفة مدفع قوية فأدت لمصرعه، وأعلن الحاكم التركى للبلاد "عمر باشا" الحداد في أنحاء الجزائر لمدة ثلاثة أيام بعد ما أتم صلاة الغائب. ولم يقض ذلك تماما على الأسطول الجزائري القوى ما جعل الدول الأوروبية تشعر بالخطر فاتفقوا خلال "مؤتمر إكس لاشابيل  Aix _La chapelle عام 1818 على ضرورة القضاء على هذا الأسطول الشرس وسنحت الفرصة خلال معركة نافرين بالبحر الأيوانى سنة 1827 لتقضي على معظمه، ومهد ذلك الطريق للهدف الأكبر فبعد ثلاث سنوات احتلت فرنسا الجزائر لأكثر من قرن من الزمان. فهل كان بن حميدو وبحارته قراصنة أم مجاهدين لصد ذرائع الاستعمار؟ وهل يحتاج لمن ينصفه سينمائيا ليطل على المشاهد العربى كإطلالة جميلة بوحريد السينمائية.

 

شوهد المقال 1375 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

الفنان السوري أحمد شعبان وكتاب السيرة الأول ـ وطن من جسد عن دار نشر اسبانية فاء آلفالفا

 عبد الهادي سعدون   أحمد شعبان: وطن من جسد، 178 صفحة، 2018. دار نشر فاء آلفالفا في مدريد/إسبانيا. Ahmad Chaaban: Home of a Body, Alfalfa, Madrid, 178p.,
image

تلاميذ يفترشون الأرض في مدرسة عبد القادر بلبشير ..بلدية الحسيان ..ولاية مستغانم

 أمينة ليزيد   حينما حلت ميركل لتزور قسم اللغة الألمانية في ثانوية العاصمة ،وفروا الألواح الإلكترونية أمام الاعلام والوزيرة ..حتى نظهر أمام العالم أننا بلد
image

رياض حاوي ـ التفكير كخبير اقتصادي: دليل القرار العقلاني (7)

 د. رياض حاوي  المبدأ الخامس: قانون العواقب غير المقصودة: أثر الكوبرا وأثر الجرذانCobra Effect  عندما كان البريطانيون يسيطرون على الهند فكروا في حل لمشكلة ثعابين الكبرا
image

مجلة جامعة سكيكدة وأسئلة علمية عن المجتمع

د.وليد بوعديلة  قضايا المجتمع والأدب في عدد جديد من مجلة "البحوث و الدراسات الإنسانية لجامعة سكيكدةأصدرت مؤخرا جامعة سكيكدة العدد رقم ستة عشر من مجلتها المحكمة"
image

فرحات آيت علي ـ معضلة التزلف و المتزلفين و مسؤوليتهم الأخلاقية و الجنائية في كونهم سند للمفسدين

فرحات آيت علي كل ما تطرقنا الى ملف نرى أن فيه شبهة فساد او حتى عدم نجاعة و جدية في دراسة وترتيب المشروع
image

فوزي سعد الله ـ عن "الطَّبخ اليهودي"...أثير الدعاية الصهيونية

فوزي سعد الله   "...تحت تأثير الدعاية الصهيونية وأبواقها الإعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، بشكل خاصّ، يُردِّد بعضُ الإعلام الجزائري، ومعَه بعض الإعلام العربي
image

عبد الزهرة زكي ـ منتظرين السلام

عبد الزهرة زكي           السلامُ الذي كان هنا كان يداً تمتد، وكان يداً اخرى تصافحها. كان انحناءة اعتذار.. وكان ابتسامة عفو وصفح. كان قلباً يحب..
image

ناصر بن غيث ـ الضمير الإنساني المشترك

 د. ناصر بن غيث كتب بتاريخ 2012-09-18   حالات التطاول الغربية المتوالية على الرموز الدينية للمسلمين لا يمكن قراءتها كما تدعي الحكومات الغربية على أنها
image

سامي خليل ـ الحرف اللاتيني لكتابة الأمازيغية تفكيك قادم لجغرافية الجزائر

سامي خليل   من يسكت على فرض محافظة عصاد الحرف اللاتيني لكتابة الامازيغية فهو يشارك في اخطر جريمة ضد الجبهة الداخلية و الامن القومي. نحن
image

أسامة بقار ـ تعليقات حول مسألة تبني الأبجدية اللاتينية كأبجدية كتابة اللهجات البربرية

 أسامة بقار  أثار تصريح رئيس المحافظة السامية للأمازيغية حول تبني هذه المؤسسة للأبجدية اللاتينية كخط لكتابة اللهجات البربرية بين رافض لها ومرافع لتبني

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

4.50
Free counter and web stats