الرئيسية | الوطن الجزائري | يسين بوغازي ـ هجومات 20 أوث / أغسطس 1955 بالشمال القسنطيني الجزائري 2\3

يسين بوغازي ـ هجومات 20 أوث / أغسطس 1955 بالشمال القسنطيني الجزائري 2\3

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 يسين بوغازي

 

بعد انكشاف " اجتماع بوساطور " يوم 18/7/1955 ، قامت قيادة الشمال القسنطيني بتحديد المكان البديل سريعا ، وانطلق  على أثره الثوار  النوفمبريين ليلة 19/7/1955 صوبه . كان " كدية الزمان "  المكان البديل ، و" الزمان " يطلق  توصيف تعميمي  ارتبط بالعشرين اوث/أغسطس ؟ لأنه وفى الحقيقة ان  الجلسات ، والاجتماعات واللقاءات التي  جرت  كانت  كلها  في  " كدية داود " وهي هضبة من ضمن هضبات كثيرة  في " جبل الزمان "

لقد شكل " الزمان " في المخيال الثوري حينها ، وقي المخيال الشعبي الوفي للقيام النوفمبري ، صورا من البطولة ، والتضحية والفداء ،إذ استطاع حوالي 300 مجاهدا ، في أقصى تقديرات التعداد البشري للشمال القسنطيني  في تلك الفترة التي  سبقت الهجومات (1)، أن تقلب الأرض بالشمال القسنطيني قيامة في وجه الكولون  احداث  انتفاضة غيرت أشياء كثيرة في مصائر الشعب  والثورة .

إلى " مؤتمر كدية داود " فى حضن " جبل الزمان "

مسيرة أيام الأعياد  المباركة لسنة 1955 

لا يبعد سوى 15 كيلو متر  عن مدينة سكيكدة " فيليب فيل الفرنسية " وقد غشاه  الثوار النوفمبريين  الغاضبين  الأوائل ابتداء  مساء  19 جويلية 1955، كانت تلك  مسيرة أيام  الأعياد  المباركة لعيد سنة 1955 ، ولأول مرة يقضى النوفمبريين " العيد الأضحى "  بعيدا عن الديار ، وعن الحنان الأسري في أحضان الجبال والكهوف ، والأودية .

لان الكولون وعسكرهم لم يترك سوى هذه الأمكنة ، الغائرة في الجبال الداخلية و المغطاة بالطبيعة  القاسية من شجر وحجر ؟ ولعل "جبل الزمان " نفسه  أحدى  تلك الأمكنة ، والأهم  فيه انه  مكان بعيد  عن الأعين  المترصدة  للخونة  ، الدين باعوا اجتماعهم الأول ، وقد كلفهم شهداء  أبرياء  كما فلق الفجر .


ومند  ساعات الانسحاب  الأولى ليلة 19/07/1955 تفرق  الثوار وفق الخطة ، إذ تحركوا  خفافا فرق  صغيرة ، وجماعات لا تتعدي الخمسة  في أقصى


تقدير ، وافراد  مدنيين عادوا إلى مساكنهم ، فقد أعلن النفير   من " كدية بوساطور " إلى " كدية داود " في حضن  " جبل الزمان " فما كان ممن حملوا

أرواحهم  فوق  أيدهم سوى الانطلاق مجددا  في سبل نداء الوطن .

خلال ذلك الانسحاب كانت اشتباكات  قليلة في منعطفات ، أين بعض  الثوار لاقوا جنود فرنسيين فبادلوهم الرصاص مرة ، والتكتيك الثوري  من وحي حرب العصابات مرات كثيرة. لقد  أضحى  150 ثائرا ممن تفرقوا في " كدية بوساطور " النصف  ممن  بلغ  " الزمان "  عند وصولهم ؟  لأن الكثير منهم  عادوا  إلى منازلهم ، وأعمالهم ، وأيامهم الاعتيادية فقد كان "  اجتماع  بوساطور " الأول بين جيش التحرير الوطني  وشعبه .

                                                                             

ملحمة " الزمان " ومؤتمره الثوري بدأ ؟

على كل حال ، ما كادت شمس يوم 21 /8/1955 تغرب ؟ إلا والثوار النوفمبريين الأوائل على هامات " كدية  داود " يبصرون  صفاء السماء الليلي ، وربما  يستطلعون الغد الجزائري ، الذي انطلق للتو يزحف بلا هوادة نحو الاستقلال .

وفى هذه النواحي أقام العقيد " زيغود سوف " في منزل احد المناضلين " رابح يونس " المدعو رمضان ( 13) أين اعتاد أن يقيم فيه بالضواحي ، وكان منزل مهيأ لهذه الظروف الحرجة ، وللإقامة  الطارئة في أخطر الأوقات ؟ كان منزل قد حفر في وسطه مخبأ مهيأ على مساحة تقدر 16 متر مربع ،وهو لأجل إخفاء الوثائق الهامة ،والذخيرة ، والقادة المهميين ، فيما ضربت على رؤوس الكديات حراسة مشددة من قبل الثوار النوفمبريين .

واختيرت "كدية داود " من ضمن كديات " جبل الزمان "  ولأنه  عموما جبل مغروس بين الأحراش والهضبات الجبلية المرتفعة ، و" كدية داود " الأعلى ارتفاعا  بين تلك  الهضبات والكديات الأخرى ، بما يكفي أن تراقب منها جميع التحركات المريبة القريبة ، والبعيدة ، من ذلك  الجبل  " الزمان " .

انطلقت الأشغال 23/7/1955 واستمرت إلى غاية نهاية شهر جويلية ، بعدها بدأت عملية أخرى اشد أهمية وهي " التعبئة الشعبية "  فانطلقت الفرق النوفمبرية من الثوار الغاضبيين ،كل إلى  منطقته ، في مهمة  رئيسية  هي الإعداد الشعبي ، وتكوينه سياسيا ، وامنيا ، وثوريا ، وإفهامه  ضرورة هذه الهجومات ، وإخباره بالكيفيات التي  ستسير بها  ميدانيا ، على أن تكون بين " جيش التحرير الوطني وشعبه " الأمر الذي تحقق في روعة عنفوانية انتفاضية نوفمبرية راقية ،بقيت شاهدة على صرامة الثورة وصرامة الثوار النوفمبرين .

إذ أن الذي تلا كان التنفيذ الدقيق " لورقة خطة التحرك الميداني " التي رسمت ، وضبطت وتم الاتفاق عليه في " مؤتمر كدية داود " إحدى هضبات " جبل الزمان "

 

في جوهر رؤية  العقيد  زيغود الإستراتيجية

في جلسات  اجتماع "  الزمان "  كما اعتادت الكتابات التي  تعنى بتاريخ الثورة تسميته ، وإن كان اقرب إلى " مؤتمر " منه إلى اجتماع عادي ، لان عدد الأيام التي قضاها العقيد زيغود ، و الثوار النوفمبريين والقادة هنالك استمرت إلى أيام معدودات ، ربما تفوق الأسبوع أو اقل قليل ، لهذا فلا يعقل تسميته بالاجتماع ، وهذه إحدى الأخطاء التاريخية التي يجب أن تصحح فى الحديث عن هذه الهجومات  ؟ فما حدث كان اقرب إلى " مؤتمر "  ففي عدة أيام  تمت خلالها  ضبط أدق التفاصيل ، والترتيبات العملية  في مجالات التنظيم ، والتأطير ، والتموين ، والتعبئة الجماهيرية " وقد تم التركيز أكثر من طرف زيغود يوسف على " عناصر التنظيم " وعدم إفشاء الأسرار الانتفاضية " (11)

الأمر الذي تجلا بوضوح في رزانة التنظيم  وصلابته ، وفى التسيير  المدهش الذي رافق المسيرات الغاضبة  بالهتافات جنب إلى جنب الثوار المسلحين من جيش التحرير في تناسق بين  المدنيين والنوفمبرين ، ومثلما  خرجت مسيرات أخرى  برمتها  مسلحة في  بعض المداشر ، والفري في الشمال القسنطيني ، واستهدفت مصالح للكولون ،هذه الخطة التنظيمية العالية الأحكام ، أدهشت الكولون وعساكرهم ، والاهم  أنها وضعت الحاكم  العام الفرنسي " المجرم سوستال " في حيرة لم تنتهي إلا على رحيله .

ففي شهادة مؤثرة جدا  لمن يمكن أن نعتبره " أمين سر الشمال القسنطيني "  العقيد  "عبد الله بن طوبال "  واسمه الحقيقي " لخضر بن طوبال "  انه قد  سكنه الاندهاش عندما أعلن العقيد زيغود يوم الهجومات ، وحدد توقيتها الزمني في منتصف النهار(12) مما يعطى انطباعا على جدارة الشخصية القيادية لثائر زيغود .

إن الذي جرى في " الزمان "  ومند تاريخ 23/07/1955 ، كانت ديناميكية فوق التصور ، فقد قضى  زيغود يوسف أيامه الأولى  من  تلك الجلسات التي  سميناها  " مؤتمر كدية داود " في أعالي الزمان موجها ، حيث قام بالتحدث بإسهاب  كبير عن أهمية " الهجوميات "  التي ينتظر تنفيذها  ميدانيا ، في تغيير وجه الثورة  ومستقبل الوطن برمته ، بل أن  رؤيته لها ، وكيفية إدارتها ، والتشديد على   ضرورتها ، لأجل إبقاء شعلة القيام النوفمبري ملتهبة ، كانت  جميع هذه المعاني السابقة  بالنسبة  للعقيد " قضية حياة ، أو موت  الثورة " وللنوفمبريين جميعا .

وكم كانت صائبة  رؤيته ، فيما تلا الهجومات  التاريخية ، وفي الصدى العالمي والعربي ، وفى الاضطراب الأمني  الذي بثته  في  أعلا هرم النظام الاستعماري العسكري الفرنسي في الجزائر ، الذي سكنه الشلل التام  من جرأة الجزائريين و شجاعتهم ، طوال أيام الهجومات  الواسعة  في جغرافية عريضة ، ولم يستفق  الاستعماريين إلا على نداءات الانتقام ، الانتقام الذي نفذه  عسكريين ، وشرطة عسكرية فرنسية ، وكولون ومعمريين فانهالوا تقتيلا وتدميرا للكل ما هو جزائري لأيام دون رحمة ولا شفقة (14)

ويكاد يتفق المؤرخين أن الرؤية  التي شكلت " هجومات الشمال القسنطيني 20 اوث 1955 " بمثابة  الروح الثانية للثورة والقيام النوفمبري ، الذي كاد يقضى عليه  في " الأوراس "  مهده الأول ، وان الهجومات التاريخية هي  بمثابة نوفمبر ثان ، لكنه  نوفمبر تأكيدي شعبي  على  البيان الأول التاريخي الاوراسي ، على أن  كامل التراب الوطني وحدة موحدة ،  وليس الثورة في الآوراس فقط ، فالرسالة كانت واضحة فك الحصار على الآوراس، فك الاستعمار على الجزائر .

وبشهادة اكبر القادة من النوفمبريين  العظام ، ممن  أسهموا في  كتابة ، أو التحدث عن  هذه الهجومات  التاريخية ،  جميعا يؤكدون  أنها  من أفكار  العقيد زيغود يوسف  وحده ، وهي  أفكاره  التي حاول الدفاع عنها  في "  جلسات  مؤتمر كدية داود "  لأيام مع الثوار والقادة  الميدانيين والجنود والمدنيين ، فكانت شيئا  يشبه الديمقراطية  الراهنة ، فلم تكن الأوامر جافة في القيام النوفمبري ، بل كان النقاش الثوري  أساسا ، في  تبني  الاقتحام بالمظاهرات ، والهجوم ،أو ما دونهما ، وهي كلها مظاهر ثورية نوفمبرية  في أسمى آيات الفداء الوطني و الديمقراطية.

قال  عبد الله بن طوبال " لما أعلن العقيد ان يوم السبت 20 اوث  1955 ، وتوقيت  منتصف النهار لتنفيذ الهجومات  " قال : لا أخفيكم سرا  ، إصابتي الرهبة "  كما هو مؤشرا له سابقا ، مما يوضح جليا أن حتى الأقرب من العقيد لم يكونوا يعلمون يوم ، ولا تاريخ ، و لا توقيت ، الهجومات إلا في الأيام الأخيرة بعد 10/08/2018 . فما كان قبله ، فكرة ثورية  عمل على زرعها بين الجزائريين في المداشر والقرى على الخروج جميعا ، كما الرجل الواحد في وجه الفرنسيين والكولون وعساكرهم ، ولاحقا حدد الفكرة  تفصيلا  ، فى الزمان ، والمكان ، و التسمية ، لقد كانت حنكة العقيد  ويعود يوسف وقيادته التاريخية .

يتبع ...

 

ــــــــــــــــــــــ

مراجع الحلقة الثانية

(10) كتاب "عشية 54 " للصحفي الفرنسي بنجامين سطورا

(11)  كتاب " هجومات 20 اوث 1955 " للمجاهدين رابح عواد ، وموسى تواتي

(12) وثيقة تحقيقية .

 ( 13) كتاب " هجومات 20 اوث 1955 " للمجاهدين رابح عواد ، وموسى تواتي .

( 14) كتاب " هجومات 20 اوث 55 "  المجاهدين رابح عواد وموسى تواتي

 ( 15) كتاب "  تمرد ، قمع ، مجازر " للصحفي الفرنسي كلغ ماسو كوبو .

 

شوهد المقال 1157 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته
image

نصر الدين قاسم ـ وتسقط الأراجيف ويعلو صوت السلمية

نصرالدين قاسم  أثبتت السلمية مرة أخرى أنها سيدة قرارها، قررت تعليق المسيرات الاحتجاجية لا خوفا من السلطة ولا ارتداعا من سطوتها وبطشها إنما صونا لصحة الجزائريين
image

نجيب بلحيمر ـ السلمية.. ثابت وطني ومفتاح المستقبل

نجيب بلحيمر السلمية حية.. هذا ما أخبرنا به هذا الاثنين التاريخي الذي خرج فيه الجزائريون عبر مختلف أنحاء الوطن ليقولوا بصوت واحد انهم مصممون على إنقاذ
image

محمد هناد ـ التعديل الوزاري والجزائر تدي الإستقلال

د. محمد هناد   الشكل الذي أتى به «التعديل» الوزاري الأخير لم يكن منتظرا ؟ لاسيما بعد تلك النبرة الساخرة التي سبق لرئيس الدولة عبد المجيد تبون

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats