الرئيسية | الوطن الجزائري | عثمان لحياني ـ شريفة ومحمد .. ضحايا الإختفاء القسري في الجزائر

عثمان لحياني ـ شريفة ومحمد .. ضحايا الإختفاء القسري في الجزائر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
عثمان لحياني 
 
في فجر من فجر أيام التسعينات الدامية الغامضة المتوترة البائسة ، جُرَ محمد جراً الى الغياب ، كانت البلاد تعيش حالة الغستابو، ومحمد هذا كان كآلاف الجزائريين قد غادر وهَرَّب أولاده من قريته الصغيرة قرب وادي جر، بعدما داهمها العسكر مرة والارهاب مرات وتلونت بالموت ، كان محمد يكره مجانين الله ويذمهم بقدر ما يكره لصوص النفط ، كان يدرك ببسطته وبساطته القروية أن الفتنة العمياء لن ينجو منها الا صاحب عمر وحظ ، لكنه لم يكن يدرك انه وهو يهرب من قريته الى قرية أصهاره ، يقود نفسه الى قدره وحيث القدر سيكون خصمه في لحظة ، لم يكن قد مر على وجوده في قريته الجديدة أيام قليلة ، حتى انفجرت قنبلة قرب حاجز أمني كان يقام يوميا عند مخرج القرية المتعامد مع الطريق الرئيسي .
كان زمن الغستابو يتيح كل شيىء ، والفوضى تفتح فاها لتأكل من كل اناء وتغمس في كل بيت ، وجد محمد نفسه في الغياهب مشتبها بصفته وافدا جديدا الى القرية ، وعلى الرغم من أنه كان يكره مجانين الله أكثر مما يكرههم الجندرمة ، ومن الغياهب الى الغياب ، ومن منفاه الجديد الى منفاه الأخير ، ومن مجرد شبهة الى في طريق ذهب ولن يعود .
 
طرقت العمة شريفة كل باب واستعطفت كل رب وربيب ، واستجارت بالله فيما كان العقد التاسع يطرق باب عمرها ، لكنها لم تجد لمحمد رسما في سجل ولا اسما في مركز ، قبل أن تكتشف في جريدة ديسمبرية أن محمد مطلوب ، -ضمن لوح من الأسماء قد يكونوا أيضا فقراء مثله من كل تهمة -، للبحث في قضية من قضايا مجانين الله ، فيما كان محمد قد نام تحت قبر ما في مكان ما طويلا طويلا ، وكذلك يفعل الغستابو.
لا رسم ولا أثر، قررت العمة أن تعاند الزمن وتتكبر على العمر كما لم يتكبر عليه أحد ، كانت تحمل محمد في خلدها وشما وفي يدها صورة ، وتعانق مثيلاتها من العجائز المصابين بغياب الكبد كل أربعاء في العاصمة ، تقف وتهتف و تطالب بالحق والحقيقة ، وتعد بالصفح والصلح بعد كشف المصير ، الى أن بح الصوت ووهن العظم وهاج الموت ، ماتت العمة شريفة كما لم يمت أحد ، كانت تموت كل يوم من الكمد قبل موتتها الأخيرة وفي حلقها شيىء من محمد ، وفي قلبها غصة الغياب وألم الفراق الغادر .
عاجلا أو آجلا .. لا تموت الحقيقة ولا يتقادم الحق ، ان لم يكن من العدالة نصيب في الارض فثمة في السماء عدالة وقصاص ، محمد في القلب والعمة في الخاطر برحمة الله .
 

شوهد المقال 810 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يسين بوغازي ـ أول نوفمبر 2018 " النوفمبريين المجاهدين والشهداء " المخيال المجروح !

  يسين بوغازي   منذ  طفولتي ، وعلى  ما ترعرعت عليه هواجسي  الثقافية  الوطنية  الأولى ، أيام الكشافة والشبيبة الجزائرية إلى تلك الأخرى ،
image

الأديان في زمن المقدّس المستنفَر مع عالم الأديان عزالدين عناية حاوره عبد النور شرقي 2\2

حاوره عبدالنور شرقي     11- حول دور الأنتلجانسيا ومسؤوليتها في المجتمع يدور الجدل بشكل واسع، وقد قمت بتصنيف هذه الفئة إلى ثلاثة مستويات:
image

عدي العبادي ـ الواقعية والابداع في المجموعة القصصية اثر بعيد للقاص عدنان القريشي

عدي العبادي                              تحلينا قراءة أي نص على معرفة انطلاقيه الكاتب في كتابته او
image

سيمون عيلوطي ـ مجمع اللغة العربيَّة يطلق مشروع "مهارات الكتابة العلميَّة"

من سيمون عيلوطي، المنسق الإعلاميّ في المجمع: في إطار "عام اللغة العربيَّة" الذي دعا إليه مجمع اللغة العربيّة في الناصرة، بالتّعاون مع المؤسَّسات والجمعيّات
image

علاء الأديب ـ لاتنكروا بغداد فهي ملاذكم

علاء الأديب رداً على (أخوة يوسف) الّذين اعترضوا على أن تكون بغداد عاصمة للثقافة العربيّة:         بغداد تهزجُ.. للربيعِ تصفّقُ.. حيث الربيع على
image

خميس قلم ـ الموغل في الجمال .. إلى كل من يعرف حمادي الهاشمي

خميس قلم  ليس غريبا أن يخطر حمادي الهاشمي في ضمائر أصدقائه في عمان و الإمارات وفي هذا الوقت؛ فهذا موسم هجرته لدفئه الذي هو بردنا..) ما
image

حسين منصور الحرز ـ قلبٌ بلا شاطئٍ يرسو بدفَتِهِ

حسين منصور الحرز                  أبيتُ ليلاً بأحلامٍ تُؤرقُنيفلم أر نبضَ إشراقٍ إلى فلقِو أسهرُ الليل في حزنٍ يقلبُنييحوي التجاعيدَ في إطلالةِ القلقِقلبٌ بلا شاطئٍ يرسو بدفَتِهِيتيهُ في
image

عبد الزهرة زكي ـ قامعون ومقموعون

عبد الزهرة زكيليس ثمة ما هو أسوأ من محاكمة ومعاقبة إنسان على رأي أو فكرة يقول بها أو قصيدة يكتبها.الحياة وتقدّم البشرية كانا دائماً مجالاً
image

فضيل بوماله ـ في الميزان ! بين محمد تامالت وجمال الخاشقجي رحمة الله عليهما

 فضيل بوماله  لقي الصحفي السجين محمد تامالت حتفه داخل وطنه،الجزائر، وسرعان ما طوي الملف دونما إعلان عن نتائج أي تحقيق. وتمت تصفية الصحفي السعودي بتركيا
image

يسين بوغازي ـ الرئيس الجديد وجراح الشرعية البرلمانية الجزائري

يسين بوغازي   مثلما كان منتظرا، تقدمت عقارب ساعات النواب الموقعين على عجل، للتذكير على وثيقة سحب الثقة المثيرة للجدل ! والتي وصفت من الجميع

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats