الرئيسية | الوطن الجزائري | حبيب مونسي - المدرسة الجزائرية.. ذلك الحصن المهدد من داخله أولا

حبيب مونسي - المدرسة الجزائرية.. ذلك الحصن المهدد من داخله أولا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د.حبيب مونسي 
 
 
أحجمت طويلا عن الخوض في الجدل الدائر حول المدرسة الجزائرية واللغة العربية.. وإني كغيري ممن نشأ في أحضان هذه المدرسة وتربى بين كتاتيبها وأقسامها، حينما كان المعلم لا يملك شيئا يستند إليه إلا برنامجا تسعه ورقة يعلقها على جدار القسم ثم يسعى وراء مواده يجمع من هنا وهناك مادة درسه، وكأنه النحلة التي تنطلق إلى المراعي ساعات لتعود محملة بالرحيق الذي تصنع منه عسلا.. فيعتمد المعلم على ذائقته في اختيار النصوص واختيار طرائق التدريس.. يسأل زميله عن المسائل التي لا يجد لها مرجعا يكفيه.. ثم كانت الكتب التي جاءتنا من المشرق تحمل في طياتها مشروعات غريبة عنا.. بعثية، ومسيحية، ورافضية.. ونصرية وناصرية.وو .. ودعمها معلمون وأساتذة تشربوا خلفياتها في بلدانهم ثم صبوها في عقول وقلوب متعطشة للمعرفة والعلم.. غير أنها أفرزت فسيفساء معرفية وثقافية أعطت للتلميذ الجزائري انفتاحا عجيبا على التقبل والتثاقف.. ثم جاءت الكتب الجزائرية الرائعة التي أشرفت عليها الوزارة بجهود جزائرية مخلصة فأعطت للمدرسة في سبعينات القرن الماضي صورتها الجلية التي أنتجت جيلها المتميز.. 
ثم شعر المربون في وقت مبكر بخطر الاصلاحات السياسوية التي انطلقت مع مطلع الثمانينات والتي كشفت ما يحاك ضد المدرسة الجزائرية.. المدرسة التي عرفت كيف تخرج للعالم جيلا مثقفا خلوقا يحمل الوطن مشروعا حماسيا في قلبه ووجدانه، و الذي انطلقت جحافل منه إلى أمريكا وبريطانيا وألمانيا بدفع من الشركات الوطنية الكبيرة (التي كانت مفخرة للبلاد والعباد، والتي أضحت مبانيها الفارغة اليوم اشلاء وأطلالا) والتي كانت في حاجة إلى كوادر تقنية. فعرف ذلك الجيل كيف يتعلم الإنجليزية و الروسية و الأمانية في أشهر قليلة، لينتقل إلى تلقي التقنيات العالية.. هذا الجيل الذي أقلق فرنسا ايما قلق ودفع بخلاياها المدسوسة في الإدارات إلى الاسراع في الاصلاحات المزعومة.. وبدأ شل المدرسة الجزائرية بنظام هجين غريب تم استيراده معلبا (المدرسة الأساسية) والذي قيل عنه -في وقته- أنه نظام للمتخلفين عقليا.. ثم تسارعت عمليات الترقيع الموضعي، إلى أن بلغنا عتبة فرض العامية.. 
وإني أقول أن المدرسة الجزائرية حينما تولى قيادتها اليوم جيل جديد من خريجي المدرسة الاجتماعية ( السيوسيولوجيا وما يتبعها من باحثين ميدانيين زعما... هؤلاء الذين لا يرون في اللغة إلا بعدها الاجتماعي العملي الضيق، سيدفعون بالمدرسة الجزائرية في منهجها الجديد إذا مُكن إلى أن تكون وسيلة لتفتيت الوطن أولا إلى لهجات، ثم إلى مقاطعات لهجية، ثم -والعياذ بالله - إلى طوائف عرقية تتكلس حول لهجاتها، وتدفع عنها باسم الهوية الضيقة، وباسم الثقافة الفولكلورية المزركشة، وباسم الانتماء الجغرافي الضيق.. لأن هؤلاء لا تتجاوز حدود الرؤية عندهم أفق الظواهر الاجتماعية، وما يتصل بها آنيا من مشكلات تتفرخ تباعا بسبب المعاجات المبتسرة الوضعية والموضعية.. فهم لا يحملون هما حضاريا يمكن للمجتمع أن يؤمن به، ويسعى إلى تحقيقه عبر لغته وفكره وإبداعاته.. يكفي أن نراجع ما ينشر من بحوث لندرك أن المناهج التي يتكؤون عليها مناهج أدواتية توحي بأنها وسائل ميدانية تعتمد على الإحصاء والنسب..ولكنها في واقع الأمر لا تعدو أن تكون أدوات مثل التي يتوسلها باحثو المستحثات من قيبل المجرفة والفرشاة... 
المدرسة في حاجة إلى من يحمل في قلبه حلما أكبر من الجيل، و في عقله مشروعا أوسع من الطبقة، وفي بصيرته رؤية تخترق المستقبل لتطل على الآتي.. فلسنا مستعدين لتسليم فلذات أكبادنا إلى من ضيق واسعا، واستبدل رخيصا بغال، وخرج إلينا في ثوب الناصحين أبيضا وهو يتسربل أشأما بما يشتت أمر الأمة، ويقدمها للعدو المتربص على الحدود لقمة سائغة... كانت اللغة العربية.. وكانت اللهجات الوطنية.. الأولى توحد اللسان، والثانية تعدد الوجدان.. الأولى ترسم بعدا حضاريا يتصل بالثقافة والدين، والثانية ترسم تلونا بشريا يتصل بالحياة والمعاش.. ولم يكن هناك شجار ولا جدال.. ولا تنابز ولا قتال... واليوم نريد أن نضحي بالأمن والطمأنينة من أجل الخلاف والشقاق بسبب إحصاء مشبوه يتحدث عن ضعف في المستوى لم يجدوا له من سبب إلا اللغة العربية، ولم يروا له من علاج إلا العامية.. ألا إن الأمن سلعة غالية ومطلب رباني جليل...

شوهد المقال 1333 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته
image

نصر الدين قاسم ـ وتسقط الأراجيف ويعلو صوت السلمية

نصرالدين قاسم  أثبتت السلمية مرة أخرى أنها سيدة قرارها، قررت تعليق المسيرات الاحتجاجية لا خوفا من السلطة ولا ارتداعا من سطوتها وبطشها إنما صونا لصحة الجزائريين
image

نجيب بلحيمر ـ السلمية.. ثابت وطني ومفتاح المستقبل

نجيب بلحيمر السلمية حية.. هذا ما أخبرنا به هذا الاثنين التاريخي الذي خرج فيه الجزائريون عبر مختلف أنحاء الوطن ليقولوا بصوت واحد انهم مصممون على إنقاذ
image

محمد هناد ـ التعديل الوزاري والجزائر تدي الإستقلال

د. محمد هناد   الشكل الذي أتى به «التعديل» الوزاري الأخير لم يكن منتظرا ؟ لاسيما بعد تلك النبرة الساخرة التي سبق لرئيس الدولة عبد المجيد تبون

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats