الرئيسية | الوطن الجزائري | مخلوف عامر - المنظومة التربوية، لا للعامية ولا للتعقيد

مخلوف عامر - المنظومة التربوية، لا للعامية ولا للتعقيد

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.مخلوف عامر 

 

منذ الاستقلال ظلت المنظومة التربوية فريسة خطاب سياسي موبوء، فلا نحن أتْقنَّا اللغة العربية ولا جعلنا من الفرنسية "غنيمة حرب". فيكفي أن نتابع كيف ينتقل المسؤولون من جيراننا الأقربين من إحدى اللغتيْن إلى الأخرى بطلاقة، بينما لا يكاد المسؤول الجزائري يتلفَّظ ببعض الكلمات العربية حتى يصبح مثاراً للسخرية والتنكيت ثم يغادرها إلى الفرنسية على عجل.

إن إثارة مشكلة اللغة تغطِّي على ما هو أهمُّ وأخطر بالنسبة للذين تمثل فرنسا قاعدتهم الخلفية. فإليها يُهرَّبون أموال الشعب وفيها يقتنون المساكن الفخمة ويعالجون فيها إذا أصيبوا بأبسط وعكة صحية وفيها يحتاطون لكل ما من شأنه أنْ يُمكِّنهم من تهيئة مكان آمن حين شعورهم بالخطر.

إن فرنسا تعلم علم اليقين كل ما يتعلَّق بتفاصيل حياتهم فتخنقهم. ولكُمْ أن تتوقَّعوا كيف يتصرَّف هؤلاء عندما يقابلون الفرنسيين وخاصة في الكواليس، إنهم –بالتأكيد-سيكونون أقزاماً تابعين.

منذ الاستقلال تسرَّبت إليْنا الأفكار القومية البعثية ورسَّخت عداوة تجاه الفرنسية، ووجد أنصارها ذريعة في مظاهر من الوجود الفعلي لأولئك الذين حافظوا على حبل سري مع فرنسا، ينظرون إلى العربية وإلى التراث بعيْن الاستخفاف. ممَّا عمَّق الهوة بين "معرب"و"مفرنس".

لكن لا بد للعاقل أنْ يستثني أولئكم الذين يتقنون اللغتيْن ولا يُشعرونك بأي ضرب من التباهي، وإنما يشتغلون في صمت وخاصة الذين بذلوا جهوداً متميِّزة في الترجمة.إنهم الذين بقدر ما يتشبَّثون بالإخلاص لوطنهم وتاريخه، بقدر ما يروْن الانفتاح ضرورة حضارية. كما يمكن لمن يطَّلع على التجربة الأدبية في الجزائر-بالرغم من قِصرها- أن يدرك ما تحمله من مضامين حداثية وما أضافته من قراءات للتراث بعيون ناقدة جادَّة، ثم ما فيها من قدرات على ترويض اللغة العربية لمواكبة التحولات بلغة سهلة إلا ما يخص طبيعة بناء النص الأدبي وهو أمرٌ ينسحب على سائر اللغات.وأكثر من هذا أن من كُتَّابنا من يجرب رواية الخيال العلمي.

فأما الذين تعوَّدوا أن يطلُّوا عليْنا من كهوف القرون الوسطى، ويثيروا العواطف باسم الأصالة والهوية، فإنهم عادة أولئك الذين يرتاحون في عطلهم الرسمية ثم يتحايلون على القانون ويخادعون الناس باسم الدين والتقعُّر اللغوي، ليتركوا تلاميذهم في فترات العمل بلا دراسة ويتوجَّهوا لأداء العمرة، علماً بأنها ليست فرْضاً يُلزمهم بتوقيت محدَّد.

فاللغة سواء أكانت العربية أم الفرنسية أم الأمازيغية قد وُظِّفت في خطاب سياسوي شعبوي، لا يزيد المنظومة التربوية إلا تردِّياً، ولا يزيد الهوية إلا تمزُّقاً.

فأما القول بإدراج العامية في الطور الابتدائي كما راج في المدة الأخيرة، فيبدو غريباً سواء أكان صادراً عن حسن نية أم عن سوئها. فليس هذا ما ينفع العربية، بل ينفع العربية أن توكل مهمة تطويرها إلى خبراء في مجالات مختلفة من المعرفة، يكون بينهم مختصُّون في هذه اللغة، يُحْصون ما تبقَّى من الفصيح في العامية لتضييق الهوة بينهما وفي سبيل التدرُّج من السهل إلى الصعب. ويتمُّ تدريسها بطرائق بيداغوجية فعّالة. وقد سبق لـ"البشير الإبراهيمي" أنْ كتب في هذا الموضوع: ((بقايا فصيح العربية في اللهجة العامية بالجزائر)). ثم إني لا أعرف أن الفرنسيين أو الإنجليز أو غيرهم قد هبطوا إلى الكلام السوقي- وما أشدَّه اختلافاً- لتكوين إطارات المستقبل والباحثين، بل ابتكروا طرائق وتقنيات تجعل الأجانب أنفسهم يتعلَّمون لغاتهم في ظرف قياسي.

 وقد أثبتت التجارب أن أقْصر السُّبل لتعلُّم اللغة هو التخاطب بها والمواظبة على استعمالها >

يجب أنْ توكل مهمَّة مصيرية –كهذه- إلى مختصِّين، لا من خلال ندوات أو ملتقيات يُدْعى إليها كل من هبَّ ودبّ، وتتحوَّل إلى زَرْدة أو هَرْدة على حد تعبير المرحوم"مولود قاسم".

ثم إنه من شروط الإقدام على عملية التطوير المنشودة، أنْ نراجع نظرتنا العاطفية التقديسية للغة كيْ نقف على الصعوبات الكامنة في طبيعتها وقواعدها.صعوبات تفطَّن إليها السابقون وألَّفوا في سبيل تيسيرها، ومنهم: الأخفش الأوسط الذي ألَّف (المسائل الصغرى) للمبتدئين و(المسائل الكبرى)للمتخصصين، وكتب أبو علي الفارسي(الإيضاح). ووضع أبو سعيد الصيرفي كتابه:(الإقناع ) تيسيرا لكتاب سيبويه. بالإضافة إلى نظرية إلغاء العامل عند ابن مضاء القرطبي ورفاعة الطهطاوي الذي ألَّف (التحفة المكتبية لتقريب اللغة العربية) وغيرهم في القديم والحديث كثير.

ويكفي أن نلاحظ اليوم حامل شهادة عليا يعجز عن قراءة نص ما قراءة صحيحة ما لم يكن مضبوطاً بحركات الإعراب. فأما إذا كان النص بلغة قديمة-فلا شك- أن المسألة تستعصي أكثر.

من المشاكل التي تراكمت في المنظومة التربوية، أننا نقع دوْماً ضحية المحاولة والخطأ، وما أن نتلقَّف تجربة إلا ونغادرها إلى أخرى سريعاً، بلا تقييم يُذكر. ذلك ما حدث منذ المدرسة الأساسية مروراً بالتدريس بالأهداف ثم بالكفاءات إلى أنْ تُوِّج التعليم بأعلى درجة من الرداءة في التعليم العالي (ل.م.د .LMD).

فالمؤسسة التعليمية حين تبقى عرضة للتجاذبات السياسوية المسطَّحة، وتنغرس في أوْساط الدارسين العقلية الشعبوية، وتوزَّع الشهادات كما يحصل توزيع الأموال في الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب (ANSEJ)، فإن أيَّ وزير يُعيَّن جديداً، يصعب عليه أن يقوم بإصلاح جذري، وتمرُّ الأيام ويستمر الترقيع ويزداد الانحدار نحو الهاوية.

الواقع أن الذين حملوا راية العربية كان منهم وصوليون لا تمثل اللغة بالنسبة لهم سوى مطية ركوب لا أكثر. وتولدت عن معاداة الفرنسية عداوة أخرى تمتطي اللغة الفرنسية لتحكم على العربية بالتخلف والعجز عن مواكبة التطور الحضاري والعلم و التكنولوجيا.

وهكذا حدث انشطار أول، بأن اقتطع فريق عنصرا من الهوية وهو العربية. وحدث انشطار ثان بأن اقتطع فريق عنصر الأمازيغية، ثم كان الانشطار الثالث بأن انفرد فريق بالإسلام. وما كان يبدو محسوسا لا نقاش فيه صار يحتل الصدارة في تحريك الصراع السياسي ثم الدموي. والحقيقة أن لا شيء محسوم، بل كل شيء كامن مخفي وغطته منذ البداية مفاهيم ضبابية فضفاضة.

لم يعد الإسلام واحدا ولا العربية واحدة ولا الأمازيغية واحدة. وانشطار تتالت بعده انشطارات، وأصبحت الهوية فريسة تتوزَّعها الطوائف الحزبية وكل ينهش من الجهة المفضلة لديْه. كل ينظر إلى التاريخ الوطني بعين عوراء فلا يرى إلى جزءا يحجب بقية الأجزاء. والنظرة التجزيئية للتاريخ تُكرِّس-بدورها- تجزئة في الواقع. الهوية في هذا الوضع أشبه بجثة مطوقة وممزقة.

لعلّكم شاهدتم أطفالا يتعلَّمون اللغة من الرسوم المتحرٍّكة، وسبق لي شخصياً أن قدمت قصصاً شعرية للشاعر "بوزيد حرز الله" لأطفال في السنتيْن الثالثة والرابعة من الطور الابتدائي على سبيل التجريب، واستنتجتُ أنهم لم يلاقوا أية صعوبة في فهمها. فأما أنْ يصادف الطفل بعض الألفاظ الصعبة أثناء دراسته وفي حياته،عامية كانت أو فصيحة، فمن الطبيعي أن يتعلَّمها وإلا فكيف سيكتسب قاموسه اللغوي؟ !

 

 

شوهد المقال 1422 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته
image

نصر الدين قاسم ـ وتسقط الأراجيف ويعلو صوت السلمية

نصرالدين قاسم  أثبتت السلمية مرة أخرى أنها سيدة قرارها، قررت تعليق المسيرات الاحتجاجية لا خوفا من السلطة ولا ارتداعا من سطوتها وبطشها إنما صونا لصحة الجزائريين
image

نجيب بلحيمر ـ السلمية.. ثابت وطني ومفتاح المستقبل

نجيب بلحيمر السلمية حية.. هذا ما أخبرنا به هذا الاثنين التاريخي الذي خرج فيه الجزائريون عبر مختلف أنحاء الوطن ليقولوا بصوت واحد انهم مصممون على إنقاذ
image

محمد هناد ـ التعديل الوزاري والجزائر تدي الإستقلال

د. محمد هناد   الشكل الذي أتى به «التعديل» الوزاري الأخير لم يكن منتظرا ؟ لاسيما بعد تلك النبرة الساخرة التي سبق لرئيس الدولة عبد المجيد تبون

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats