الرئيسية | الوطن الجزائري | عاشور فني - هل دخلت الثقافة عصر الفساد المعمم؟

عاشور فني - هل دخلت الثقافة عصر الفساد المعمم؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.عاشور فني 

 

 تثار منذ سنوات مسالة جدوى الإنفاق العمومي في القطاع الثقافي. ولعلها نزعة مرضية تلك التي لا ترى التبذير إلا حين يتعلق الأمر بتنظيم تظاهرة ثقافية: حفل  فني أو مهرجان سينمائي أو أدبي أو ملتقى حول موضوع ثقافي ما. حينها تنبري الأقلام وترتفع الأصوات  وتفك عقدة الألسنة للتنديد بالتبذير الذي طال الثقافة. نفس الأقلام والأصوات والألسنة لا تقول شيئا عن التبذير الذي يجري يوميا ف يكل القطاعات وباسم سياسات عمومية فاشلة أصلا لا يرجى منها شيء.  في بعض الأحيان تبرمج مشاريع إنجازية محددة ويجري فيها إنفاق معتبر ولا أحد يدري إن كانت جرت حسب دراسات جدوى ثم فجأة تتغير السياسات 180 درجة وتصبح  كل النفقات السابقة معدومة ويجيء المسؤول ليعلن أنع وقع "تصحيح" أو"تعديل" ويرضى الجميع ويعتبرون ذلك "تحسنا" ملحوظا. ولكن قلما نجد أحدا يتحدث عن شيء إيجابي  في الثقافة. وكأنه مسموح بالخطأ في كل القطاعات ما عدا قطاع الثقافة. وكأن الفساد والتبذير مقبول في كل القطاعات ما عدا قطاع الثقافة.

 كتبت منذ سنوات أنه حان الوقت لنطالب بنصيب الثقافة من الفساد. وانه مادام الفساد قد أصبح قاعدة والفضائح صارت عادة فلا بد من تعميم هذه العادة على الثقافة والقطاعات التي تعاني من شح الإنفاق العمومي: التربية والتعليم والبحث العلمي. فلماذا تظل التربية والتعليم والثقافة والبحث العلمي والمعرفة "تعاني" من الطهارة والنظافة في الوقت الذي أصبحت فيه كل القطاعات تقريبا- الطرق المحروقات الفلاحة البنوك الصناعة التجارة- "تنعم" بالفساد؟

 فقد كانت الوزيرة السابقة تشكو تزمت وزارة المالية في مسألة منح الأموال اللازمة لإنجاز المشاريع الثقافية. ورغم العمل البيروقراطي الجبار الذي قامت به الوزارة في مجال "ترسيم" المهرجانات ووضع "مسؤولين" بيروقراطييم على راس المؤسسات والهياكل الثقافية فقد فشلن في "تنمية" القطاع الثقافي بل عرف تراجعا وتكلسا  وأصبح البيروقراطيون هم الكل ف يالكل في الثقافة التي كان يمبغي أن يكون المبدعون والمثقفون هم قادتها. هكذا كانت بقرطة القطاع سبيلا للوصول إلى المبتغي: تعميم الفساد في الثقافة.

 لقد بدأ الفساد بتحويل أموال الدعم إلى الناشرين بدلا من استفادة المؤلفين والقراء وهكذاخلقت لابيروقارطية فئة قوية في الوسط الثقافي همها الوحيد هو ستلام أموال  الدعم.وأمكن بعد ذلك "تنظيم" كل التظاهرات الكبرى في غياب المثقفين والمبدعين. ورأينا كيف تحول معرض الكتاب- وهو تظاهرة تجارية في الأصل- إلى بديل للنشاط الثقافي خلال السنة كلها. وأكثر من ذلك تم إسناد "الأنشطة" الثقافية المرافقة له إلى "زبائن" دائمين  يعملون على "استدامة" العلاقات الزبائنية بين الوزارة والمتعاملين.

 وبالموازاة مع ذلك تم وضع نظام "التظاهرات" الكبرى التي تنفق فيها أموال ضخمة في مشاريع لا يظهر منها شيء في الحياة الثقافية وينتهي كل شيء بانتهاء التظاهرة: سنة الجزائر في فرنسا – الجزائر عاصمة الثقافة العربية – تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية – عاصمة الثقافة العربية. استهلكت أموالا ضخمة  كان يمكنها أن تضمن حياة ثقافية دائمة لو أنفقت بطريقة أخرى بعيدا عن بهرج "التظاهرات" السياسية الكبرى. لو وضعت تحت تصرف المبدعين والمثقفين من خلال آليات مناسبة  لأمكن النهوض بالحياة الثقافية أفضل مما وقع في كل الفترات السابقة. لكم البيروقراطية المتحكمة في دواليب القرار تريد أموال المشاريع لها. وهكذا أصبحت الزبائنية هي القاعدة التي تربط كثيرا الفاعلين بالمسؤولين في القطاع الثقافي.

 بل أكثر من ذلك أصبح بعض الفاعلين في القطاع( دور نشر أو جمعيات أو مجرد أفراد) يوجهون سياسة الوزارة التي يفترض أنها تطبق سياسة عمومية. أصبحت الوزارة تطبق سياسات تخدم جهات محددة. بعضها داخل القطاع وبعضها خارجه. والمعلومات المتداولة تشير إلى تورط مسؤولين كبار في صرف أموال لصالح أطراف معينة. ومادام الفساد ممكنا فالأموال ستتدفق أكثر على القطاع. ولو لم يتم إقامة تلك العلاقات الزبائنية

 وبينت المعلومات المسربة أن المسؤولين داخل الوزارة ليسوا بمنآى عن الشبهات: فمن مواقعهم يمكنهم التأثير في قرارات اللجان وفي تنظيم التظاهرات وفي قبول الأعمال التي "ينبغي"  أن تستفيد من الدعم.

 وتفيد التسريبات التي تداولتها الصحافة من أسابيع ان الفساد أصبح قاعدة في توزيع المشاريع الخاصة بالتظاهرات الثقافية الكبرى. ذلك يفسر غياب الإنفاق العمومي في اتجاه الجمعيات الثقافية والتركيز على بقرطة الأنشطة وإسناده لمسؤولين معينين. هكذا أصبحت الثقافة فضاء إضافيا يضاف للفضاءات التي أكتسحها نظام الفساد.

 والآن وقت أصبحت قضايا الفساد مطروحة في الساحة العامة وعلى مرأى ومسمع من الجميع ينبغي أن يذهب النقاش في اتجاه إدانة الثقافة.  لا ينبغي أخذ الثقافة بجرم السياسيين فالثقافة أصلا ضحية تهميش مزمن في السياسات العمومية وفي سياسات الأحزاب وهم الآن أول من يدينها بجريرة ارتكبها السياسيون وجهازهم البيروقراطي الذي وضعوه لإخضاع الثقافة والمثقفين. والذين ينتقدون تصرفات أشخاص وقوفا في وجه مصالحهم يسكتون على انحرافات النظام الذي باركوه.

 

الرابط هنا 


http://fenni-dz.net/%D9%87%D9%84-%D8%AF%D8%AE%D9%84%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%B9%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%85%D9%85%D8%9F-2/

شوهد المقال 965 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب يصدر ديوانه الثامن عشر { المرأة الحلم } في بغداد

المرأة الحلم ..قريبا في بغدادديوان جديد للشاعر العراقي المغترب علاء الأديبفي موعد قريب ومن بغداد سيصدر الشاعر العراقي علاء الأديب المقيم في تونس ديوانه الثامن
image

وليد بوعديلة ـ ذاكرة "قالمة " وهويتها في رواية سنوات المحبة للأزهر عطية

د.وليد بوعديلة  رواية " سنوات المحبة" للكاتب الجزائري الأزهر عطية:تحولات وطن،وهج فني وهوية مدينة بعد أن أبدع الكثير من النصوص التي عانقت التاريخ الجزائري، يختار الكاتب
image

محمد محمد علي جنيدي ـ هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ

 محمد محمد علي جنيدي- مصر           هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ يا فؤادي لا تسلْ كيف ارتضيتُ هذه الدنيا قلاعٌ من عذابٍ وسيولٌ من دموعي فاكتفيتُ كانت الأيامُ
image

معتقلي الرأي في الحراك الشعبي الجزائري

ابراهيم دواجي  اخوتي: محمد دعدي، توفيق حلاتي، محمد سمالح، نبيل بوالقمح، رضا عمرود، رابح بلكور، الشيخ ڨاريدي، رشيد، رضا بوعريسة، بوعلام الغاز، الصادق، بشير،
image

زوايمية العربي ـ محمد شرفي وتاريخه الأسود ضد الجزائريين

 زوايمية العربي  محمد شرفي الاسم الذي لم انساه منذ 33 سنة . افلاني ريعي من ولاية قالمة كان صديق
image

البروفيسور الجزائري عبد العزيز برغــوث يحرز على جائزة التميز الدولية لهذا العام "جائزة جواهر العالم الإسلامي" بمساهماته في وضع خطة ماليزيا للتنيمة 2050 منذ سنوات

محمد مصطفى حابس : جنيف /  سويسرا The JEWELS OF MUSLIM WORLDLes joyaux du prix du monde musulman هجرة العقول أو الكفاءات ظاهرة تاريخيّة لم ترتبط بمكان
image

حمزة حداد ـ المختفون قسرا في الجزائر حراك مستمر

حمزة حداد  منذ أسبوع تدخل الأستاذ مصطفى بوشاشي بمقر حزب الافافاس، حول قضية المساجين السياسيين والمفقودين بدزاير في فترة التسعينات، وتحدث عن حجم المعاناة
image

نوري دريس ـ فرصة تاريخية للجزائر يجب أن لا تضيع...

د.نوري دريس   منذ بداية الحراك، وكلما دخلت في نقاش مع الناس العاديين، إلا و قالوا لي: سوف تقوم السلطة باعتقال طابو( بسبب غباء السلطة
image

جباب محمد نورالدين ـ شاهد على إعدام سيد قطب : من عمق القرية في الأوراس الجزائرية

د. جباب محمد نورالدين    كان ذلك في الستينيات و في العطلة الصيفية التي أقضيها في القرية مثل معظم الجزائريين في تلك الفترة كانت والدتي أطال
image

عماد البليك ـ فصول من كتاب جديد: الفكر المطارد في السودان عبر القرون 3

عماد البليك البدايات.. ثورة أركاماني:  بالعودة إلى جذور التاريخ السوداني وإلى أول الممالك القديمة في السودان الشمالي، قبل الميلاد، سوف نجد أن الكهنة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats