الرئيسية | الوطن الجزائري | إبراهيم لونيسي ...... وداعا سعد الله

إبراهيم لونيسي ...... وداعا سعد الله

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


الأستاذ الدكتورإبراهيم لونيسي *



لقد رحل عنا إلى الأبد أستاذ الأجيال، وشيخ المؤرخين الجزائريين ، لقد رحل عنا صاحب الأخلاق الرفيعة العالية والسامية، لقد رحل عنا ذاك الذي كان قمة في التواضع والبساطة، لقد رحل عنا ذاك الذي كان يتحفنا بكتاباته الرائعة الغنية الدسمة و الهادفة. 
لقد رحل صاحب الانجاز العظيم، و الذي سيخلده ابد الدهر، صاحب المعلمة الخالدة " تاريخ الجزائر الثقافي " بأجزائها العشرة التي تجاوزت عدد صفحاتها أربعة ألاف صفحة، مسجلا فيها أروع صفحات التاريخ الثقافي الجزائري على امتداد خمسة قرون، وهو الانجاز الذي لخصه في رسالة بعثها لي من الولايات المتحدة الأمريكية عندما هنأته بصدور الكتاب " ...وقد أصبح ألان تراثا وطنيا واني سعيد أنني أنجزته رغم الصعوبات المعروفة و المتصورة، والتي لا يمكن أن تخطر على قلب بشر". والتي تحدث عنها بإسهاب في الجزء السادس من (مسار قلم ) والتي وصلت إلى حد المصاعب المالية وما يترتب عنها من مشاكل كثيرة، ورغم كل ذلك رفض كل الإغراءات التي عرضت عليه وعلى رأسها الجنسية الأمريكية، لان سعد الله كان مغرما بحب الجزائر ، ولان قلبه كان ينبض بتاريخ هذه الأمة، وتحدى كل المصاعب و المشاكل من اجل أن يقدم اغلى هدية لوطن كان ينزف دما خلال تسعينيات القرن العشرين .
لقد رحل سعد الله وفي نفسه شيء من تاريخ الجزائر الثقافي. لقد رحل دون أن يكرم تكريم دولة، ولكن كل من عرف سعد الله عن قرب يدرك جيدا انه لم يكن ينتظر تكريما من أي كان، لان التكريم الحقيقي الذي حضي به سعد الله طيلة حياته الغنية الزاخرة بالتأليف الكثيرة، هو الحب الشديد الذي يكنه له طلبته الذين تخرجوا على يديه، والآلاف من محبيه، وهؤلاء هم الذين سيحفظون هذا الاسم، وسيحفظونه للأجيال القادمة من خلال الاهتمام بفكره و الحفاظ على مبادئه السامية التي ظل يناضل من اجلها طيلة حياته، وهذا الحب هو اكبر وسام كان معلقا على صدر سعد الله حيا، وسيبقى هذا الوسام مرتبطا باسم سعد الله ميتا. ولقد ذكر لي هو بنفسه ما يشبه هذا الكلام في رسالة له مؤرخة ب 4 أكتوبر 1994 "... واكرر لك باني لم اكتب الكتاب ولا غيره مما الفت لكي امدح أو أجاز، أن همي هو منح الجزائر تاريخا يشرف أجيالها الماضية و القادمة، و أنت تعرف أنني كنت اكرر دائما بان الجزائر قد عرفت ثورات كثيرة و مؤلفات قليلة وحماها أبطال وثوار، ولكنها لم تلد إلا القليل من النوابغ و العباقرة في الآداب و الفنون و العلوم ، و إننا الآن نريد عقولا مفكرة لا أيدي تبطش و تتعسف " 
لقد رحل عنا الأستاذ سعد الله إلى الأبد و لكن كتاباته الكثيرة ستبقى شاهدة على رجل وهب نفسه لخدمة الثقافة و الفكر في الجزائر و إعادة بعث تاريخ هذا الوطن الذي أحبه بشكل جنوني و كان كل جزء من جسمه يتغنى حبا به و كان همه الأول و الأخير تسجيل صفحات تاريخه و نفض الغبار عن صفحاته التي لا تزال مجهولة، و حبه الجنوني للبحث العلمي و الكتابة جعلته يبتعد عن مناصب المسؤولية مهما كان نوعها و علوها فكانت السلطة تسعى إليه منذ سبعينيات القرن العشرين و لكن سعد الله كان عنها راغب لأنه وهب نفسه للعلم و الثقافة و الفكر و هو ما ذكره لي في رسالة بعث بها لي من الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 15 أكتوبر 1994 حيث كتب يقول:" رغم أنني في هذه النقطة البعيدة قد عرض عليا عمل رسمي من أهل الحل و العقد في الجزائر، لكن اعتذرت بمشروعي العلمي الثقافي و أرجو أن يتفهموا ذلك و انه انفع للبلاد و الأجيال اللاحق من أي منصب سياسي أو دبلوماسي".
لقد رحل عنا جسدا ذاك الرجل الذي نهض بمهام التعليم في بلاده لأكثر من ثلث قرن و وهب نفسه لخدمة العلم و التأليف منذ أن كان شابا يافعا و الذي تكونت على يديه أجيال من الأساتذة و الباحثين و الذي تفاعل مع قضايا الجزائر بكل قوة دون أن يهمل قضايا وطنه الكبير العالم العربي الإسلامي.
لقد رحل عنا جسدا ذلك المؤرخ و المفكر الذي اهتم كثيرا بتاريخ وطنه الجزائر و بمختلف القضايا المطروحة على ساحتها السياسية و الثقافية و الاجتماعية بعيدا كل البعد عن منطلق الشوفينية و الإقليمية لأنه لم يكن يفرق بين القضايا المحلية الخاصة بالجزائر و العالم العربي الإسلامي فعندما يبحث في قضية معينة فانه يضع نصب عينيه دراسة الجزء من اجل الكل.
لقد رحل عنا ذاك العملاق الذي تألم كثيرا للأوضاع التي ألت إليها الجزائر في العقد الأخير من القرن العشرين و هو الأمر الذي اثر في أسلوب كتابته التي باتت تتميز بنوع من القسوة و كذا بالنقد اللاذع للأوضاع، و الكثير من الأمور و القضايا التي عاشتها الجزائر بصفة خاصة و العالم العربي بصفة عامة و قد سألته بنفسي عن هذا التغيير عند صدور الجزء الأول من كتابه "الحركة الوطنية الجزائرية" و السر الكامن وراءه في إحدى الجلسات العلمية التي كانت تجمعني به من حين لأخر خلال إعدادي لأطروحة الماجستير و التي كانت تحت إشرافه خلال شهر جوان 1991 إذ قلت له أن الطريقة التي كتبت بها هذا الجزء تختلف تماما عن طريقتك في كتابة الأجزاء الأخرى و انك ظهرت جد قاس في أسلوبك في هذا الجزء؟ فتبسم و قال:" لست الأول الذي يسجل هذه الملاحظة بشان أسلوبي الذي ظهرت به في كتابة هذا الكتاب بل سبقك إلى هذه الملاحظة الأستاذ ابو العيد دودو" و لم يكمل. و أنا كنت أريد أن يقدم لي أسباب هذا التغير في أسلوبه من أسلوب المهادنة و المسالمة إلى أسلوب النقد القاسي و المواجهة، و لقد حاولت معه مرة أخرى أن افتك منه إجابة مقنعة لهذا التغير الذي حدث ولكن بدون جدوى و بعدها غادر الجزائر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في صيف 1992، و لم أنس القضية و قررت أن أعيد طرح الموضوع عليه في إحدى الرسائل عندما سألني 
عن رأي في مقالته بشان مولود قاسم:"... هل قرأت كلمتي عن المرحوم مولود قاسم التي صدرت في الكتاب الذي نشره عنه ابن نعمان؟ أن لم تقراها بعد أرجو أن تقراها و ان تذكر لي رأيك فيها، و هي على كل حال عصارة فكري المكدود في صديق مشهود رحمه الله " فقمت بالرد عليه بتاريخ 25 مارس 1994 حيث حدثته عن رأي في مقالته بشان مولود قاسم كما ذكرت له أيضا رأي في التصدير الذي كتبه لكتاب ( في قلب المعركة ) حيث كتبت قائلا:" ... أستاذي العزيز إن الشيء الملاحظ بشكل عام على أسلوبكم في السنوات الأخيرة هو الحدة و العنف الشديد و لقد لاحظت هذا بشكل خاص في كتابكم هموم حضارية.." و في 22 ماي 1994 جاءني الرد و افتككت منه الجواب الذي انتظرته منذ 1991 حيث كتب يقول:" ... إن الحدة التي تحدثت عنها ربما ترجع إلى القلق الذي أعيشه منذ سنوات و قد تبعثرت الآمال التي عشت لها منذ الخمسينات فنحن نرى الجزائر ممزقة بعد وحدة و ضعيفة بعد قوة، و الخطر يتهددها في مستقبلها أكثر من حاضرها، و من القلق أن مفهوم التاريخ العربي الحديث قد ضاع من منطقتنا فلم نعد ندري ماذا ندرس أو كيف ندرس، فمنذ 1967 و الهزائم المادية المعنوية تتوالى على بلداننا و أخرها الهجمة على العراق و إجهاض النضال الفلسطيني أما العالم الإسلامي فهو كرة بين أرجل الآخرين ضربوا بها الشيوعية تارة و الرأسمالية تارة و هاهي ألان تستعمل لتكسير ذاتها فكيف لا تظهر الحدة على قلمي و انأ اكتب بدمي لا بالحبر ؟ " 

وداعا أستاذي العزيز سعد الله، لقد رحلت عنا جسدا و لكن ستبقى و ستضل بيننا فكرا و مبادا و أخلاقا ...الوداع ...الوداع.... 


 * تلميذكم الوفي المخلص/ لونيسي ابراهيم
سيدي بلعباس يوم السبت 14 ديسمبر 2013

 جامعة سيدي بلعباس 

شوهد المقال 4172 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats